الصفحة 429 من 615

إدريس بن عبد الله الكامل بزرهون، فقعد له الرماة بباب المدينة و رموه بعدة معادن دون الرصاص، من الفضة و النحاس، عسى أن يكون شأنه إنما هو في الرصاص، و كان رميهم إياه بالقرب دون حاجز بينهم و بينه، و لم يؤثر فيه شي ء، حتى أنه ليقبض على الرصاصةالواصلة إليه بجسده و يردها على صاحبها باردة كأنها لم يمسها نار، فتحير الناس في أمره إلى أن دخل الضريح الشريف، فسلب ببركته مما كان معه من فعل الشيطان أو الجن، فقبض عليه حينئذ، و قتل و حز رأسه، و قطعت يده، و قبض على بعض من كان معه و أفلت البعض.

حكى لنا المرابط السيد المنور من آل سيدي الشيخ و كان معه صاحب رايته. قال: إني لمارأيته، تغير حاله و هو بالضريح الشريف. قلت له: (أين ما) نعتاده منك من الخوارق؟ و أين سيفك؟ فسله. و كان عادته يسل سيفا قصيرا كان عنده و يشير به إلى الناحية التي يريدها، فيكون ما يقوله، (فخرس) عن الجواب! و بدا في وجهه العجز، و ظهرت أمارات السلب، فنهضت و تحيلت في الخروج من الضريح، و قصدت الفرار بعد الاختفاء عند بعض الأحبة، فكان ذلك سبب نجاتي. و بمفارقتي إياه قبض عليه و اضمحل سحره، و بطل أمره و خاب شيطانه. انتهى.

و بموته طار خبره في الآفاق، و حمل رأسه و يده إلى السلطان، و هو يومئذ برباط الفتح، قادم من مراكش، و وجه به إليها، و بقيت العامة أمدا طويلا تتحدث بأنه لازال حيّا، و تنكر موته، و من تحدث بها مقتوه و أبغضوه و حاجوه بأنه لازال يأتي لزوجته ليلا، و قد أخبرتنا بذلك إلالآن، و أنه كان يتحدث بأنه سيقع له هذا و يفشو قتله في الناس، حتى ييأسوا منه، ثم يعود و يمكربمن تحدث بموته و قتله، و إنما ذهب لغرض يقضى على يديه، إلى غير ذلك من الخرافات.

[ثورة المولى عبد الرحمان بن سليمان و القضاء عليها]

و كان- أيضا- قد قام قبله ثائر المولى عبد الرحمان ابن سليمان بمجرد موت المولى عبد الرحمان بن هشام، و ورد على فاس بشرذمة من البربر معه من سجلماسةبموافقة بعض الأعيان من أقاربه و بعض أهل فاس من عدوة الأندلس، فخرج لمحاربته الوزير الفقيه السيد العربي بن المختار الجامعي بمن معه من خيل أولاد جامع و اشراقة، فلما تراءى الجمعان بقرب ظهر المهراس، انهزم البربر و ذهب المولى عبد الرحمان منهزما، و لم تقم له قائمة بعد، و لما حل السلطان فاسا و تمت له البيعة من أهلها أخبره الوزيرالمذكور بالأعيان الموافقين و الباعثين للمولى عبد الرحمان بالمجي ء، و قيد أسماءهم، فأمر رحمه الله بحرق تلك الصحيفة، و لم ينظرها حلما منه و صفحا عن إساءتهم، و ذلك يعد من حلمه و كمال عقله، و لم يعاقب أحدا منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت