فهرس الكتاب
و قالوا قد زهدت فقلت كلاّ ... و لكنّي أعزّني القنوع
و قال لبيد: [الطويل]
فمنهم سعيد آخذ بنصيبه ... و منهم شقيّ بالمعيشة قانع
و الغالب جعل القنوع في السؤال و التذلل. [و] .المعيار: ما يمتحن عليه غيره لمعرفة صحته. [و] التجارب: جمع تجربة، و هي اسم، جربت الشي ء تجريبا إذااختبرته مرة بعد أخرى.
و المراد: أنه لا يسند ما أراد فعله و اختراعه لوزير، و هو كالمعيار لما كلّف به من معرفة الأشياء و تفاصيلها، حتى أنهم قالوا: فطن الوزراء أكثر من فطن الملوك، لأن الملوك يتفقهون أبدا في سياسة من دونهم من الرعايا لا غير، و الوزراء يتفقهون في سياسة الملوك و سياسات الرعايا، فهم أشبه الأشياء بالجوارح التي تصيد و تفترس، و تصيدها- أيضا- جوارح أشد منها، فهي أعرف الجوارح بمكائد الإحتراس و مكائد الإفتراس انتهى. و مع ذلك لم يكتف بأحد منهم في أموره، لحرصه على وقوع الأشياء في محالها، و المحافظة علالعدل و الإنصاف، حتى يتحقق ذلك عنده بالاختبار المرة بعد المرة، و يثبت لديه بالتجارب القائمة مقام المعاينة، و هي من تمام الذكاء لما قالوا: أن العاقل يقدم التجريب علالتقريب و (الاختبار) على (الاختيار) ، فيقنع حينئذ و يرضى بما أنتجته له التجارب التي لا غرض لها في شي ء و لا تتهم بشي ء، فيقع الشي ء بذلك في محله بحسن فطنته، و الرأي تبع للتجربة، و هو في ذلك عالم بعدم توفر شروط الوزارة في أبناء زمنه، و هي أن يكون الوزير صدوقا في لسانه، عدلا في دينه، مأمونا في الخلافة، بصيرا بأمور الرعية.
و تكون بطانته من أهل الأمانة و البصيرة. و أن لا يكون لئيما فاللئيم إذا ارتفع جفاأقاربه، و أنكر معارفه، و استخف بالاشراف، و تكبر على ذوي الفضل. إلى غير ذلك من الأخلاق الحميدة. و لذلك كان يجتهد في أموره و تأسيسها بما لم يطلعوا على سببه. و كان في كل ذلك مصيبا، لا طلاعه على أحوال الرعية و أهل المظالم منها مع الوزراء، مدة خلافته و قبلها بممارسته للكل، و معاينة عدم النصيحة من الوزراء للملك و الرعية، و إنما همتهم مصروفة في جلب النفع لهم أكثر من كل شي ء.