فهرس الكتاب
محاسبة باختيارهما ما أرادا للسلطان، و هو متغافل عنهما، و هما يظنان عجزه عن إدراكهما و المكر بهما لطول مكثهما على هذه الحالة، و شكاية قواد المخزن بوجدة بهما، بنبذ الأوامر المخزنية و اتباع كلمتهما كيفما كانت بتلك النواحي، إلى أن خرج السلطان- أيده الله- من فاس منتصف جمادى الثانية من السنة المذكورة، فاجتاز بأرض غياثة، و حل بمدينة تازا منها، و أنصف أهلها من سفهاء غياثة الجائرين عليهم فأدوهم ما كان لهم عليهم من الحقوق، و كفوا اليد العادية عليهم، و وظف عليهم ثلاثين ألف ريال كبيرة- على ما قيل- فأدوها، كما استوفى منهم و من غيرهم ما كان لبيت مال المسلمين عليهم من الزكاة و الأعشار. و منها توجه إلى وجدة و نواحيها لإصلاح شؤون تلك القبائل، فانتهاليها في أوائل شعبان من السنة المذكورة، فتلقاه قبائلها خاضعين و من كل إساءةجندها تائبين، فقبل توبتهم، و عفا عنهم.
عادة قبائل وجدة استعمال اللف
و من عادة هذه القبائل و دأبهم التحزّب، و هو التجمع. و يسمونه حالة الحرب بينهم باللف و حالة السلم بالميعاد.
أما اللف في اللغة بكسر اللام واحد الألفاف: و هو الأشجار يلتف بعضها ببعض و من قوله تعالى: وَ جَنّااتٍ أَلْفاافًا واحد لف و لإخفاء في مشابهة اجتماعهم بألفاف الأشجار و تشابك أغصان بعضها ببعض.
و يحتمل أنه من اللفيف، و هو ما اجتمع من الناس من قبائل شتى و منه قوله تعالى:
جِئْناا بِكُمْ لَفِيفًا
أي مجتمعين مختلطين، و هي حالتهم المشاهدة منهم وقت الحرب.
و كيفية العمل عندهم في ذلك، أن القبيلة المحاربة لجارتها بما يطرأ بينهما من أسباب العداوة، تطلب من قبائل غيرها يكونون معها على قتال عدوهم، لضعفهم عن مقاومتهم، إما لكثرة جموعهم و إما لقوتهم بلفهم، و كذلك القبيلة الأخرى تكون بلفها أوتطلبه- أيضا- من القبائل، بأن يدخلوا معها في الحرب، فيجتمع على كل منهما جموع ممن يوافقهما، و بذلك يقولون: إن ذوي فلان من لف القبيلة الفلانية و ذوي فلان من لف القبيلة