فهرس الكتاب
و يطوف الكل على أصحاب الذعائر و يقصدونهم في بيوتهم و منازلهم بكل قبيلة، فينزلون على كل واحد منهم، و لا ينهضون عنه إلا بعد أداء ما يوظفونه عليه باجتهادهم من المال العين أو الماشية، عقوبة له بما فعله من التعدي أو السرقة أو الغصب مثلا، و كل على قدرحاله، فيجتمع لديهم من ذلك مال له بال، فيرجعون لدار القائم بهذا الأمر عند فراغهم من أهل الذعائر، و يقتسمون ما جمعوه من المال في طوافهم على أهل الجنايات، كل واحدحصته علي قدر ما يناسب حالته و جاهه و عظم منزلته عند القوم، و يأوي كل واحد منهم إلى محله بما حصل له.
و هكذا كلما اجتمعوا لذلك عند التوقف عليه، و لو كانت قضية واحدة أن هالهم [أمرها] ، و يسمون هؤلاء بأصحاب الميعاد، و هو- أيضا- أشبه شي ء بصنيع الدول الجمهورية.
[إبطال عادتي اللف و الميعاد]
و المخزن يأبى ذلك و لا يرضاه، لمشاركة الغير له في الحكومة، و سقوط الهيبة من قواده وأعوانه، و نقص الجباية من الرعية، و الإصغاء لغيره، و التصامم عنه عند الاحتياج لأمر مهم.
و لذلك نهض المولى الحسن في التاريخ المذكور لإبطال هذه المادة و حسم (أهلها) ، فقبض على الحاج محمد و الشيخ ولد رمضان الوجدي المذكورين، لما كان عليه الثاني أيضا من قبض جباية العمالة كلها و حبس وجدة و مكوسها و أعشار سلعها، مع إعانة كل منهما لصاحبه بما يناسبه من القوة و العصبية. و لو لا وفود السلطان على هذه العمالة ما قبض على واحد منهما.
و بعده، أودعهما السجن، و بقيا به إلى أن منّ عليهما بخروجهما منه، و عقلهما بمحل فسيح، و أعطى كلا منهما جارية، و أجرى عليهما النفقة الكافية، إلى أن ماتا، كما أعطى لأولاد الثاني ثلث ما كان أخذه له من الأملاك بوجدة، ليستعينوا بها، و ملكها لهم، و لازالت على ملكهم إلا ما باعوه منها، و يعد ذلك من إحسانه و (إنزاله) الناس منازلهم و حلمه الشهير.