فهرس الكتاب
الكلام في أزرف عند البربر
و لازال غالب أحوال عامة هؤلاء [القبائل] المذكورين بهذا الجبل، و من يليهم شرقاإلى قبيلة بني وراين من القبائل البربرية، و من جاورهم من العرب، على منهاج الجاهليةو سننها، غير أهل السوس الأقصى فإنهم مخالفون لهم، جانحون لإقامة شرائع الدين و سننه.
فمن ذلك عرفهم المختص بهم في الأحكام المسمى لديهم بأزرف: و يعنون به الحكم المقابل للشرع، فيقولون: ما حكم الشرع في هذه النازلة؟ و ما حكم أزرف فيها؟ كمايقولون للمتحاكمين: تزارفوا. أي تحاكموا به. و لغتهم هذه، توافق اللغة العربية في هذاالمعنى من حيث التقدم و الزيادة. و في القاموس: زرف إليه تقدم، و أزرف الرجل تقدم، و زرف في الكلام زاد فيه.
فيكون وجه تسمية الحاكم بأزرف لديهم من زيادته في الكلام عند حكمه على ما هومشروع أو من تقدمه إلى الحكم بالعقل، و هم في ذلك كما هم عليه قبائل عمالة وجدة من اللف و الميعاد، و قد تقدم كيفيته.
[و] كيفية أزرف، أن يتقدم في كل قبيلة واحد أو أكثر من عقلائهم المتمهرين في الأحكام العقلية المألوفة لديهم، المضبوطة القواعد، بتواتر الحكام عليها، و قد مرت عليه نوازلها، و تكررت لديه وقائعها مع ما يكون عليه من الأمانة من أخذ الرشوة و قبولها، و يقصدونه القبائل، و يرحلون إليه في مهماتهم من كل (ناحية) حين يشتهر بمعرفةالحكم و الأمانة وجودة الرأي، و إن حكم حاكم في قضية و لم يرض المحكوم عليه بذلك يذهب لحاكم ثاني و ثالث، و هو المنتهى. و يقدمون حكمه على حكم الشارع صلوات الله عليه، فإن من طلب خصمه للشريعة بأن يقول: أنا أدعوك للشرع المطاع، و أجابه خصمه بأن يطلبه للحق بأن يقول: و أنا أدعوك للحق. يعني به أزرف، فكل من سمع ذلك يأمر بتقديم دعوةالحق عندهم على الشرع، و لا يلتفت لمدعيه، و لا يلزم المدعي للحق إجابته، فإذا جلس الخصمان بين يدي الحاكم بأزرف، أمر كلا منهما- قبل سماع دعواهما- بإعطاء ضامن فيما يجب عليه، إن حكم عليه بشي ء أو رهن يكفي للتوثق به ثم يقول كل منهما كلامه، و يحكم بينهم بما يراه من القوانين المعتادة [لديه] اللائقة بتلك النازلة. و كثير أحكامهم في الدماء، و خفر الذمة، و السرقة، و نهب المحصنات، و ما شاكل ذلك من الجرائم.
و القانون عندهم في أحكام الدماء: أن القاتل عمدا أو خطأ يخرج و أقاربه من أرضهم إلى أرض يأمنون فيها على أنفسهم، لأنهم لا يراعون (القاتل) في القتل فقط، و يقولون