فهرس الكتاب
و من كان لا يعرفها و لا تقدم عليه حكم أحد من القبائل المجاورة للبحر و السودان و الصحاري الذين هم كالبهائم و الوحوش، حتى استأنسوا بسيرته، و ركنوا للدخول في طاعته، و وفدواعليه طالبين رضاه. و لا شك أن المال يعظم و يكثر بكثرة الرعية و دخولها في الطاعةو انقيادها إلى امتثال الأوامر المخزنية، و قد حكى ابن خلكان أن جوهر الرومي قائد المعزلدين الله لما وجهه لإصلاح أمور المغرب و فتح ما (استعصى) عليه من دياره، فسارإلى فاس ثم منها لسجلماسة، ثم توجه إلى البحر المحيط و صاد من سمكه و جعلها في قلل الماء، و أرسله إلى المعز، ثم رجع و معه صاحب سجلماسة و صاحب فاس أسيرين في قفص من حديد، و كان جبى القطائع التي كانت على البربر خمسمائة ألف دينار انتهى.
و هذا كان بمروره بهم مرة واحدة في أمد قريب، و لم يشمل كل البربر، فكيف باستيفاء كل الواجب على جميعهم! بل تحقق لدينا بالتواتر المستفيض أن قائد قبيلته منهم يدفع للجانب العالي بالله أكثر من هذا العدد في كل سنة، جباية على قبيلته دون مايبقى تحت يده لنفسه.
[اكتساب رعية السلطان الأموال و الراحة]
و يحتمل أنه أراد به ما اكتسبته رعيته زمن ولايته من الأموال و الراحة، و لا سيما أهل دائرته و من انتمى إليه، فقد ظهرت عليهم آثار نعمه، و توسعوا في المأكل و الملبس، و اكتسبواالخيول المسومة، و البغال الفارهة، و ادخروا الجواهر الثمينة و التحف النفيسة و الحلي المرصع باليواقيت، و شيدوا القصور المزخرفة، و امتاز بناؤهم بكل حاضرة عما عداهم بتشييد و ارتفاع، و (ملئوا) البساتين بالقبب و المنازه المرتفعة، و تمتعوا بثمارها و أزهارها، و ملكوا الجواري و العبيد، و خدمتهم الأحرار و الموالي، و تنافسوا في اتخاذ (الجواري) الحسان، و ارتفاع البنيان، كأنهم يغترفون من بحار الأكوان، و صار بذلك علم الإكسير لديهم مهان.