فهرس الكتاب
و قال ابن خلدون ما صورته: و من (المعلوم) البين أن خالدا من الجيل العربي و البداوة إليه أقرب، فهو بعيد عن العلوم و الصنائع بالجملة فكيف له بصناعة غريبةالمنحى مبنية على معرفة طبائع المركبات و أمزجتها، و كتب الناظرين في ذلك من الطبيعيات و الطب لم تظهر بعد و لم تترجم، اللهم إلا أن يكون خالد بن يزيد آخر من أهل المدارك الصناعية تشبه باسمه فممكن انتهى.
قلت: ما زعمه بظنه في هذا الرجل ظاهر، إذ إلهام الحق سبحانه هذا الرجل لطلب علم الكيمياء و إدراكها و التمهر في علمها لا مانع منه عقلا و لا شرعا إذ ذاك العلم هو كغيره من سائر العلوم، لم يخص الله به جنسا من أجناس البشر و لا نوعا من أنواعه، بل يُؤْتِي اَلْحِكْمَةَمَنْ يَشااءُ، فاستبعاده وجود الحكمة في خالد لقربه من البداوة و بعده عن العلوم و الصنائع غير سديد و لا ينهض بحجة الاستبعاد، لأن ذلك إنما يتجه في الأجلاف من أهل البادية القاطنين بها، و أما خالد فالحضارة إليه أقرب من البداوة، و العلم أقرب إليه من الجهل لنشأته بالحاضرة و تأدبه بها و ملازمته إياها، كيف و هو من أبناء ملوكها العظام، حفيد معاوية الإمام، من ضربت بذكائه و سديد رأيه و معرفته بالأمور و حزمه و حلمه و سيادته الأمثال، و إلا لزم من تسليم ما ذكره أن يكون كل عربي بعيدا عن العلوم لقربه من البداوة بالأحروية، و هو باطل بالبديهة دون احتمال، لما تراه بالمعاينة في جنسهم من العلوم في سائر الأجيال، على أن خالدا لم يخترع ذلك من عنديته، و لا استنبط حكما من أحكام أوديته، و إنما طلبه بالتعليم من أهله، و بلغ الغاية في الاشتغال به، و إن مريانس الراهب هو شيخه و معلمه في الحال، و ذكر بعض من أنفق عمره في طلبه أنه ألقى المثقال منه على ألف ألف و مائتي ألف مثقال، و لا مانع من معرفة الطبائع المركبات و أمزجتها، و الصنائع الغريبة لطالبها من أهلها، و لا يمكنه نفي، وجودهم لتقدمهم على من أراد، و عدم انقضائهم في الوقت المراد، و خالد موصوف بالعقل و الفصاحة، و الرأي و السماحة، فلايقدح فيه ببعده عن العلوم كونه عربيا، و هو إلى البداوة أقرب وليا، و لا فرق في هذا الوصف بينه و بين جده، و قد اقتفى الناس أثر رأيه و تزودوا من مزيد حلمه و علمه، و الله أعلم بغيبه.
[و بعد] تقييدي ما رأيته في شأن خالد هذا، وقفت على ما يؤيد حجة مذهبي فيه في ترجمته من كتاب وفيات الأعيان لأبن خلكان و نص الغرض منه: كان من أعلم قريش بمتون العلم، و له كلام في صنعة الكيمياء و الطب، و كان بصيرا بهذين العلمين، متقنا لهما، و له رسائل دالة على معرفته و براعته و أخذ الصنعة عن رجل من الرهبان يقال له مريانس المذكور، و صورة تعلمه منه و الرموز التي أشار إليها، و له فيها أشعار كثيرة مطولات