الصفحة 487 من 615

من مباشرة ذلك، و عجز عن عمله. فقال له المنصور: ما اعتقدت أن حكيما يرضى بتخليدالكذب في (كتبه) ينسبها إلى الحكمة ليشغل بها قلوب الناس، و يرغبهم فيما لا يعودعليهم من ذلك منفعة و قد كفيناك على قصدك و تعبك بما صار إليك، و من الألف دينار، و لا بدمن معقابتك على (تخليد) الكذب، ثم جهزه و صيره إلى بغداد فضرب، و كان ذلك الضرب سبب نزول الماء إلى عينيه، و لم يسمح بقدحهما، قائلا: إن الدنيا قد رأيتها انتهى.

و منها ما وقفتت عليه بكتاب الحيل لبعض المشارقة بما هو معناه أن رجلا جمع ألف دينار ذهبا خالصا، ثم بردها بالمبرد. فصارت برادة، و أضاف إليها شيئا من (العقاقير) و مزجها بها و عجنها بما صيرها كعقار واحد و جعلها في مزود و لبس ثيابارثة بدوية، و جعل المزود على عاتقه، و أخذ يطوف بأزقة (دمشق) الشام و يعرض ذلك العقار للبيع حتى انتهى إلى العطارين، فعرضه على الأول منهم، فقال له: ما هذا و مافائدته؟ فقال: هذا عقار يسمى عندنا بالطنزباك نافع للسموم و للسحر و للجنون، وعد له منافع، و لو لا إني ذاهب لبيت الله الحرام و لم أستطع حمله و الزاد و الماء و السفر بعيد، مابعته بوزنه ذهبا. فقال له: و بكم ثمنه؟ فقال: بعشرة دنانير. فأستبعد ذلك و قال: ماسمعنا بهذا العقار قط و لا رأينا من يسأل عنه أو يذكره. و جعل يطوف على السوق كله، و الكل يقول مثل مقالة الأول، إلى أن وقف على رجل، و ذكر له إسمه و فائدته و ثمنه، فقال في نفسه: هذا عقار غريب عسى أن يتوقف عليه من يعرفه أو تكون فيه فائدة، فهو من جملة (العقاقير) المدّخرة. فاشتراه منه بخمس دنانير، فقبضها و انصرف، ثم غير زيه و لبس ثيابا فاخرة، و جعل يدعي صناعة الإكسير، و يخالط الأعيان و أهل المعرفة من أهل البلد، إلى أن بلغ خبره الوزير، فطلبه طلبا مؤكدا، فامتنع من الذهاب إليه قائلا لا حاجةلي عند أهل الدنيا و المناصب، و أريد أن تكون صناعتي لله و تصرف في سبيل الله في حق من يستحقها من المسلمين، فأخبر بذلك الوزير، فجد في طلبه إلى أن اتصل به و ذاكره فأعجبه سمته و أدبه، فأخبر بخبره السلطان، فأمره بإحضاره، و قال: قل له لا شي ء أنفع من مال يصرف في الجهاد، و لا تجد قربة أقوى من هذه الخطة، و قد رأيت ما نحن عليه من الضيق مع الكفار و خراب الثغور و احتياجهم للإصلاح و العمارة، و الاستعداد لا يكون إلابالمال القوي، فليكن مطمئن البال من جانب الإنفاق في غير ما يرضي الله. فلما كلمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت