فهرس الكتاب
الوزير و عرفه بأمر السلطان و نيته، قال: نعم، إن كان هذا هو الغرض فعلى بركة الله.
فذهب و إياه، و اجتمعا بالسلطان. و اتفق الكل على العمل بمحضر السلطان و الوزير نهارا، فهيأ السلطان له ما طلبه من الآلة، و أخذ القلم و جعل يقيد العقاقير التي يحتاج إليها، و جعل منها الطنزباك، فأخذ أحد الأعوان التقييد و ذهب به إلى المحتسب ليشتري له ذلك، فاشترى له العقاقير المذكورة إلا الطنزباك لم يجده، فرجع الرسول بدون الطنزباك. فقال المدعي للصنعة: لا بد من هذا العقار و إلا لم يتم العمل، و كيف لا يوجد الطنزباك بأرض الشام، و هي، قديمة الحضارة و مأوى الوفود و التجارة، ما هذا إلا أنهم يكتمونه لفائدته العظيمة، و لا يسمحون به إلا لمن يعرفه و قيمته و الآن لا بد يراجع المحتسب أصحاب العقاقير و يهددهم حتى يعترفونه له به، فكتب الوزير إلى المحتسب يجدد عليه الطلب بإحضار الطنزباك، ثم بدا له أن قال للرجل: إن المحتسب لا يعرف هذا العقار حتى لو رآه بيد أحد و أنكره منه لم يعرفه و عليه نحبك أن تذهب بنفسك، و نأمره بالوقوف معك حتى تقف على مطلوبك بنفسك، فقام و ذهب مع رسول الوزير إلى المحتسب و أمره بأن لا يغيب من العطارين، و أن من غاب منهم يكلف من يحضره حتى يتمكن من البحث في (عقاقيره) المدّخرة بدكانه، و ذهب و إياه و الأعوان، و بدأ بالبحث من أول دكان إلى أن بلغ دكان المشتري منه الطنزباك و هو في كل ذلك يتجاهل عن معرفته، فبحثه عما عنده من العقاقير و جعل يأمره بإحضار ظروف العقاقير لديه إلى أن حضر ظرف الطنزباك الذي جعله فيه يوم شرائه، فبمجرد رؤيته قال: هذا و الله هو المراد، ثم سأله بكم اشتريته؟ فقال:
بخمسة دنانير، فقال: إذن لا أبخسك فيه. فأمر المحتسب بدفع عشرة دنانير لربه و أخذه و رجع إلى محله، و أحضر الأواني و جمع العقاقير مع شي ء من الطنزباك، و جعل الكل في البوط، و قال: انفخوا، إلى أن صعد الكل دخانا، و بقي الذهب مذابا فأفرغه سبيكة، و هم ينظرون، فأخذه السلطان و أمر بإحضار أهل المعرفة و المعيار، فأعرضوه على المعيار، و اختبروه كل الاختبار فوجدوه ذهبا خالصا، و سلموه، فتحقق السلطان و الوزير بمزيدمعرفته، و ركنوا إلى تسليم صنعته، فبقي كذلك يفعل إلى أن انتهى إليه الطنزباك، فطلبه ثانيا، فلم يجدوه، فقال: إن معدنه بخراسان و هو كثير بتلك النواحي، فانظروا من يذهب إليه و يأتينا بشي ء كثير منه لنبلغ الغاية فيما نريد، فقال السلطان: لا يصلح لهذا غيرك، لمعرفتك بتلك الأرض و المعدن و بأهلها، و أما غيرك فقد رأيت أنه وجد عندنا (بهذه) الأرض، و لم يعرفه أحد لو لا أنك نهضت بنفسك، و عليه فلا بد من سفرك في طلبه، و قد تعين عليك. فجعل يتعلل و يتعذر بالمشاق و بعد المسافة و عدم الطاقة على البرد، فلم يقبل منه