فهرس الكتاب
من أرضه و وقع الصلح- بعد- على مال دفعه السلطان إليهم في مقابلة ذلك، و الأمر لله، و هو من جملة تفضله و إحسانه بهذا الحي، و لذلك قال الناظم رحمه الله:
و عمّرهم بالفضل و البذل و النّدى ... و كمّلهم في غاية بالمراكب
أي أملأهم بالفضل و هو الخير. و البذل: و هو ما سمحت به النفس و أباحته عن طيب منها. و الندى: الجود، و بابه عدى، يقال: فلان ندي الكف أي سخي. و الكمال: ضد النقص، تقول: رجل كامل و قوم كمله. و غاية الشي ء: انتهاؤه. و المراكب: جمع مركب، و هي في الأصل السفينة، و تطلق على كل ما يركب من الإبل و الخيل و البغال.
يريد أن أهل السوس عمرت أرضهم و أهلها بالخيرات و العطاء و الجود، و كمل نقصهم كما لا في غاية الأمر بما اكتسبوه من الخيل و أصناف الدواب و الأمتعة بوجود المولالحسن، و حسن سيرته و دفع الضرر عنهم، و لا سيما الولاة من قبله عليهم و الأعيان و أهل الدين و الفضل و العلم و الشرف و الضعفاء، فصار أهله في غاية الكمال و القوة و الاستعدادو الأمان، و استكملوا الشرف و الفوز عن غيرهم، بما عمهم من عدل هذا الإمام، و اعتنائه بأمر الرعية، و تفقد أحوالها و الفحص عن شؤونها و كيفيتها أيده الله. ثم قال:
و للسّوس إذ ذاك، امتثال لما يرى ... بحوز و غرب في جميع الجوانب
المراد: أن أهل السوس مع وصفهم بما ذكر من القوة و الشهامة و التوغل في الجبال الوعرة، فهم أقرب الناس إلى الطاعة و امتثال الأوامر الشرعية، فلم يصدهم عن الامتثال للأوامر المخزنية التي مقتضى الشريعة ما استكملوه من العدة و العدد، لأنه الغالب علالنفوس، فهم مخصوصون بطاعة السلطان عن سائر القبائل من البربر و العرب، كما أن أهل الشام كذلك، و بهم يضرب المثل في الطاعة و المبايعة، و إنما قدحت زناد معاوية- رضي الله عنه- بهم، و كثيرا ما كان يقول: أعنت على عليّ بأربع: كنت رجلا كتوما و كان رجلا ظهره، و كنت في أطوع جند و أصلحه- يعني أهل الشام- و كان في أعصى جند- يعني أهل العراق- و تركته و أصحاب الجمل و قلت: إن ظفروا به كفيته و إن ظفر بهم اعتذرت بها