الصفحة 498 من 615

و قد أعصوا و ركبوا أهواءهم وعتوا، إذ الجموح هو الراكب هواه من قولهم: جمح الفرس براكبه جموحا، بمعنى استعصى حتى غلبه، فهو جموح- بالفتح- حالة كونهم فوضى، أي متساوون لا رئيس لهم ينهاهم عن غيهم، و لا يتوقفون في أمر إمام عليهم بتلك السباسب، و هي الفيافي و الأوعار، و توسعوا في تلك الأراضي و بغوا فيها.

و قد انتهى- أيده الله- إلى تلك الجبال و دوخها، ثم إلى قصبة أدخسان التي بناهاالمولى إسماعيل رحمه الله، فوفد عليه جل القبائل هناك.

و كان توجهه إليهم من مكناسة الزيتون في عاشر رمضان المعظم من عام خمسةو ثلاثمائة و ألف.

و كان- رحمه الله- مواظبا على السفر، مراعيا قول من قال: إن المقام في الحضر، رأس كل بلية و ضرر، فمقامه ظهور الخيل، و نشواته قيام الليل، و عزمه حمل الجياد علاهل الضلالة و العناد، دأبه القوة و الجلد، و الزهد في الصاحبة و الولد، و الرغبة في الأبطال و العدد، و النهوض من مجاورة الهر و الفار، لمساواة بيوت الغبار، فهو في هذا خليفةالخضر، و لا له في هذا الباب نظير: [الطويل]

(مقام) عقاب الطّير في الجوّ و الفلا ... و أنشط ديك في البيوت يجول

و ما الملك إلاّ للعقاب بعزمه ... و للدّيك صوت في الدّجاج يصول

و للحذاق من الكتاب في هذه الوقعة رسائل، كشفت أحوال ما اشتملت عليه من الوسائل، و أولاها بالذكر ما حققه الناظم بمشاهدته لتلك الغايات و المغانم، نصها بعدالافتتاح المؤمل: و بعد، فلما كان الانتقال من محل لمحل، فيه لذة للمال و المخل، لا سيمامع اعتبار علو في الثاني، أو نقل أمر من أول الثاني، كان السفر مطلوبا من هذه الحيثية، لكون الإنسان يحصل فيه على (الأمنية) ، و لهذا اتخذته ملوك الغرب وسيلة، حيثماطمحت بنظرها إلى قبيلة، حتى تنخرط في سلك الجماعة، و تقوم بواجب السمع و الطاعة، و تذعن لأداء ما تخلد بذممها على مقتضى (قوانين) قيامها، ثم بالواجبات المستقلبةو الهدايا كذلك، و حراسة الطرقات و حط النزائل بما بها من المسالك، ثم القيام بحركتها لمن خرج عن الجادة، حتى تنحسم من مفاسده المادة، فحينئذ يصير المخزن فيها هدى، لكونهابسببه لم يبق فيها عدى، و هذا هو السر فيما أظهره الله الآن ظهور يمن و بركة، من كثرةالأسفار و تعداد الحركة، و جعل سبحانه هذا السر فيمن لازالت عظماء الأقيال، تقتدي به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت