فهرس الكتاب
رحلت من الدار، قاصدة محل سكناهم الذي عليه المدار، فتقابل الجمعان و صار كل يزحف على قدر قوته و نجدته، فكانت الكرة عليهم و المرء مقتول بما أضمر في نيته، فصار السبي فيهم للعدة و الخيول، بعد أن حزت رؤوس منهم و كانت دماؤها كالسيول، ثم ضربت المحلةعلى قصور لهم تحصّنوا بها، فدار العسكر بها و صار يضرب في جوانبها، و لما ضاقت بهم الأرض بما رحبت و ولوا مدبرين، تداركوا أمر أنفسهم فتسارعوا للمدافع متشعفعين، فقبل مولانا- أيده الله- توبتهم، و قابل بالحلم هفوتهم، فأمنهم و قد شرط عليهم أداء الواجب من الزكاة و العشور، و أن يكونوا عند الامتثال، فيما يؤمرون به في الطي و النشور، و وظف عليهم جزاء على المقابلة بالقتال ثلاثة آلاف من البغال، و ثمانية آلاف من رؤوس الغنم و البقر، فشرعوا في دفع ذلك على مقتضى النظر، بعد أن بقي ببلدهم ناشرا أعلامه، و مستلا سيوفه و أقلامه، حتى جاءوا في الدفع عن آخره و الأكوان تصرّح بأن هذا من خصائص مولاناالمنصور و مآثره، فكان هذا الفتح شفعا لفتح السوس فتحا عزيزا و سيعزز بحول الله تعزيزا.
و قد أنشأ أدباء الديوان الشريف في هذه الوقعة قصائد عديدة، مستحسنة (غريبة) ، كل يأتي على قدر بضاعته، بما يظهر من قصيدته، فأمر- أيده الله- بتوجيهها لفاس، بقصد أن تعرض على الأدباء و الفقهاء و النجباء، و بعد أن يظهر النفس من التعبير، تدرج في التاريخ الكبير و لنا من جملة قصائد القضية قصيدتان، نص الأولى منها: [الكامل] .
هذي المعزّة في دلال غوان ... هذي المسرّة في سرور تدان
هذي النّفائس في فرائد عزّها ... هذي الجواهر في عقود جمّان
حطّت رحال المجد تحت مظلّها ... و أرت لنا فتحا كفتح عمّان
ببني مكيلد قد تبرّجت زينة ... و بدت لنا في لفظها بمعان
قد دبّروا أنّ (التّمانع) بالفلا ... يغني و إنّهم كطير عنان
(و متى) رأوا جيش العساكر بينهم ... في (شعالة) تعدو بكلّ سنان
حزّت رؤوس البغي عند قصورهم ... و سقتهم حتفا بكأس دنان
قد عاينوا حرب (النّفوس) فأصبحوا ... بين المدافع في حريم أمان
إذ أظّهروا بين القبائل ما بهم ... من ذلّة و معزّة و هوان
قبلوا الشّروط و أذعنوا و تواعدوا ... ألاّ يعودوا لبغيهم بأوان