الصفحة 507 من 615

و روي عن الفضل بن سهل قال: كانت رسل (الملوك) إذا جاءت بالهدايا تجعل اختلافها إلي فكنت اسأل الرجل منهم عن سيرة ملوكهم و أخبار عظمائهم، فسألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم، فقال: ملك بذل ماله و جرد سيفه، فاجتمعت عليه القلوب رغبة و رهبة، لا يبطن جنده و لا (يخرج) رعيته، سهل النوال جري ء النكال، الرجاء و الخوف معقودان في يديه، فقلت: فكيف حكمه؟ قال: الظلم و يردع الظالم و يعطي كل ذي حق حقه، فالرعية إثنان:

راض و مغتبط، قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: يتصدر في القلوب فتغضى له العيون، قال: فنظرإلى رسول الحبشة و أنا أصغي إليه، و أقبل عليه فسأل ترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟ فقال:

يذكر ملكهم و يصف سيرته، فتكلم مع الترجمان بشي ء فقال لي الترجمان: إنه يقول أن ملكهم ذون أناءة عند القدرة، و ذو حلم عند الغضب، و ذو سطوة عند المغالبة، و ذو عقوبة [عند] الاجترام قد كسى رعيته جميل نعمته و خوّفهم خسف عقوبته، فهم يتراءونه ترائي الهلال خيالا، و يخافونه مخافة الموت نكالا، وسعهم عدله و ردعهم سطوته، إذا أعطى أوسع، و إذاعاقب أوجع، فالناس إثنان: راج و خائف، فلا الراجي خائب الأمل، و لا الخائف بعيد الأجل.

قلت: فكيف هيبتهم له؟ قال: لا ترفع العيون إليه أجفانها، و لا تتبعه الأبصار إنسانها (كان) رعيته قطار فرفت عليها صقور صوائد، فحدث المأمون بهذين الحديثين، فقال: كم قيمتهما عندك؟ قلت ألفا درهم، قال: يا فضل إن قيمتهما عندي أكثر من الخلافة، أما عرفت قول علي بن أبي طالب: قيمة كل امرئ ما يحسن. أتعرف أحدا من الخطباء البلغاء يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين بمثل هذه الصفة؟ قلت: لا، قال: فقد أمرت لهما بعشرين ألف دينار، و أجعل العذر بيني و بينهما في الجائزة على العود، فلولا حقوق الإسلام و أهله لرأيت إعطاءهما ما في الخاصة و العامة دون ما يستحقانه.

[اتصاف المولى الحسن بالتقوى]

و من (تتبع) سيرة المولى الحسن وجدها حاوية لأنواع محامد السير كلها، متصفابما هو أزيد من ذلك من مسارعته لإقامته منار العدل و أدرار الفضل، و تشييد المآثر، و عمارة البلاد، و الرأفة بالعباد، وزم أقطار المملكة، ورد ما تخرم في سائر الأيام منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت