فهرس الكتاب
و الغالب على هؤلاء الملوك الحلم، و لا سيما المولى الحسن. و مما يعد من شرف الحلم و فضيلته ما كتب به بعض الصالحين لبعض الأمراء [و نصه] :مثلك أعزك الله من تواضع لعظمة الله و تقرّب بها إلى ما يرضاه، و قدم العدل في عباد الله، فأغاث المستغيث، و (أجار) المستجير، و أمنّ الخائف، و عاد على الراجي و آثر الحلم، فاغتفر ذنوب الجاني طائعا لله، مقتديا برسول الله، مستشعرا حسن التوبة من الله.
فالحلم أجل عزائم الصبر و أوضح معالم البر [و أعظم] صنائع الخير، و هو إسم من أسماء الله تعالى، و صفة من صفاته، لأنه جل ذكره يرى عصيان العاصين، و يطلع على جناية الجانين، و يشاهد جور الظالمين، و يحصي ذنوب الخاطئين، فلا يحتجب عنه عمل، و لا يغيب عن علمه شي ء في عاجل و لا آجل، و هو لا يعجل بالانتقام مع القدرة، و لايستفزّه الغضب مع إمكان القوة، و لا تبعثه العجلة على إنفاذ حكمه، مع وضوح الحجة بل يؤثر الإناءة و الإمهال، ليكون له الفضل و النعمة، و حسبنا قوله تعالى: وَ رَبُّكَ اَلْغَفُورُ ذُواَلرَّحْمَةِ؛ [الآية] و قوله سبحانه: وَ لَوْ يُؤااخِذُ اَللّاهُ اَلنّااسَ بِظُلْمِهِمْ الآية الأخرى.
و قال الشاعر: [البسيط]
لن يدرك المجد أقوام و إن كرموا ... حتّى يذلّوا و إن عزّوالأقوام
و يصفحوا عن كثير من إساءتهم ... لا صفح ذلّ و لكن صفح أحلام
انتهى
و قال الطرطوشي: بالحلم يدرك السلطان كمال العز و إسداء المنة، لا كما يتوهم أنه من عجز (القوة) ، و إضعاف المنة كما قيل لا يدرك المجد إلخ. البيتين انتهى.
و هو في غاية الحسن و أحق الناس بفضيلة الحلم و أحواجهم إلى الاتصاف به السلطان.
و خطب سعيد بن شريك بحمص فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الإسلام حائط منيع و بابه وثيق، فحائط الإسلام الحق و بابه العدل، و لا يزال الإسلام منيعا ما اشتدالسلطان و ليس شدة السلطان قتلا بالسيف و لا ضربا بالسوط، و لكن قضاء بالحق و أخذبالعدل، انتهى المراد.