فهرس الكتاب
[رجوع المؤلف لتمهيد المولى الحسن لبني مكيلد]
و السعادة التي هي ضد الشقاوة و النحس من باب تعب، تقول: سعد يسعد في دين أودنيا. إلى أن رضوا بنو مكيلد منهم قهرا عليهم بأمر المكاتب، (أي) بمطالب المكاتب الموجهة لهم و بأداء ما تضمنته تلك المكاتب الشريفة، فحينئذ، عين عمالا عليهم عندانقيادهم و إذعانهم للأوامر المخزنية و ظهور طاعتهم، حيث رتب نظام مملكته لسكونه و حركته على ما يتمكن به من صلاح رعيته، فجعل عمالا و أوصاهم بالمحافظة على حق الله، و وزراء و (حضهم) على (أن لا) يخشون [أحدا] إلا الله، و أمناء يقبضون و يصرفون، و كتابا و حسابا يحفظون، و رسلا و جساسا و حفظة و عساسا و قضاة يفصلون، و عدولا يشهدون، و خداما بالحضرة يتصرفون، و عقلاء [و علماء] ثقاة يشيرون.
و لا يخفى عليه حال أحد من ولاته، بوصيته للمتمكنين من الاطلاع على أحوالهم، بنقل أخبارهم إليه، و مكاتبتهم له بذلك مع العيون، بعد تأكيد الوصية و تجديدها منه، و تعاهدهم بها و نهيهم عما يسمع عليهم من المخالفة للبرور بالرعية، و أخذ غير الممتثل منهم المفرط في الإذاية، و تثقيفه و سجنه، و هو من حسن سيرته أيضا أيده الله. و بذلك كان أهل العدل- أيضا- يتصفون و يتعاهدون أحوال العمال و الولاة. كتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكتب إليه بسيرته، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي و أنمت هواي فأدنيت المطاع في قومه، و ولّيت الحرب الحازم في أمره، و قلدت الخراج الموفر لأمانته، و قمت لكل امرئ من نفسي قسما، فأعطيته حظا من نظري و لطيف عنايتي، و صرفت السيف إلى النطق المسي ء، و الثواب إلى المحسن البرئ ليخاف المريب صولة العقاب و يتمسك المحسن بحظه من الثواب، و يرغب أهل العفاف في أداء الأمانة، و (يتجنب) أهل النطق، و الخيانة، و أملت على ذلك من إليه النجاة و من خليفته المكافاة.
و كان زياد إذا ولى رجلا عملا قال له: خذ عهدك و سر إلى عملك، و اعلم أنك مصروف رأس سنتك و أنت تصير إلى أربع خلل، فاختر لنفسك، إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك و سلمتك من معرتنا أمانتك، و إن وجدناك قويا خائنا استهنّا بقوتك و أحسنّا عن خيانتك أدبك، و أوجعنا ظهرك، و ثقلنا عزمك، و إن جمعت علينا الحرمين جمعنا عليك المضرتين، و إن وجدناك قويا أمينا زدنا في عملك و رفعنا ذكرك و كثرنا مالك و (أوطأنا) عقبك.