الصفحة 519 من 615

أعظم من يوم دخوله للثغر المذكور، فلم تبق مخدرة في خدرها مسلمة كانت أو كافرة، و لم يبق مسلم و لا مسيحي و لا يهودي في بيته و مسكنه، و كانت عليه مهابة عظيمة و جلالة قبول و إقبال، كساه هيبة و تعظيما، و من رآه من بعيد أحبه، و من رآه بديهة هابه.

و يوم السبت ثاني صفر، اجتمعت بمرسى ثغره بواخر المسيحيين، بقصد ملاقاةالسلطان، و هم في (عددهم) و عديدهم و تزايد عساكرهم.

و يوم الأحد الثالث من صفر برز لملاقاة الوفود، و قبول هداياهم، و كان كل يفتخربهديته و يراها أفضل من هدية غيره، و لا يخفى أن الهدية تدخل السرور على المهدى له و تورث المودة و تطفئ الغضب، و قد رد على كل أفخر من هديته. و لا زال بها يتفقد أحوالهاو يأمر بإصلاح أسوارها و أبراجها، و يعامل بالجميل سكانها، و كل من قصده رجع بمطلوبه (فرحا) ، و كان له لفرط محبته ناصحا، إلى يوم الأربعاء الثالث عشر من صفرالمذكور أمر بالرحيل إلى ثغر أصيلا، فباتت جيوشه بعين الدالية، و عشية يوم الخميس بعده خرج من طنجة و بات بالمحل المذكور مع المحلة، و خرجت معه أكابر الدول تشيّعه و تودّعه، و نساء ملوكهم من (اللائي) جاءت من أمصارهم بقصد رؤية أمير المسلمين، و كذلك بنات أكابرهم على براذينها، و (خيولها) مصطفة أمام رؤسائهم، متأسفات على فراقه، لمبالغته في الإحسان مع كل أحد، و خصوصا في قدومه هذا، فقد أحسن للخاصةو العامة من كل جنس، و لله در من قال: [الرمل]

خالق النّاس بأخلاق الرّضا ... تملك الأحرار من غير ثمن

و يوم الجمعة الخامس عشر منه، خيمت جيوشه على شاطئ وادي الحشف، و بعده خيمت بثغر أصيلا، و أقام فيه يوم الأحد لاستراحة الجنود و زيارة وليها سيدي محمد بن مرزوق، و أمر بإصلاح ما تلاشى من حصونه و ارتحل يوم الإثنين منه و خيم بفحص الريحان، و يوم الثلاثاء تاسع عشر منه خيم بوادي المخازن، الذي كانت فيه قضية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت