فهرس الكتاب
من محله ذلك اليوم، لما أصابه من هول ذلك الطلب و عظيم أمره، و لم تفده حيلة و لا سياسةتدافعه زمناما، و بات ليلته يتقلب ساهرا من أجله. فحينئذ عزم على (الالتجاء) إلى مولاه، إذ هو المجيب المضطر إذا دعاه، و من توكل عليه كفاه، فأصبح يوم الثلاثاء مناديه ينادي باجتماع أهل الفضل و الديانة من العلماء، و الأشراف، و الأعيان، و أكابر دائرته، و كل من توسم فيه الخير من المسلمين، و أمرهم بذكر اسمه تعالى اللطيف، العدد المعروف، مع قراءة صحيح البخاري، و كتاب الشفاء للقاضي عياض، توسلا باسمه العظيم و حديث نبيه الكريم، ليكشف عنه ما دهم السلطان من أمر السفير، و عيّن أمناء بكل مرسى يقفون على ما عسى أن يكون من النفير، و ظل الناس ذلك اليوم في ضيق و حرج، و شدة اضطرار و هرج، و باتوا ليلة الأربعاء على تلك الحالة، و كل منهم يدعو الله أن يفرج كربة الإسلام و يفك أو حاله، و المولى الحسن بات على نية أن يجمع القوم صبيحة يوم الأربعاء و يعرفهم بمطلوب السفير و يكون كواحد منهم فيمااتفقوا عليه و رأوه متعينا عليهم لهذا الطلب، و الله فَنِعْمَ اَلْمَوْلى وَ نِعْمَ اَلنَّصِيرُ.
فهذا ما كان من أمر الإمام، و أما السفير فقد خرج يوم الثلاثاء لقنص الصيد من ناحية كيليز و ربوة برّمرام، و قيل: إنه مر بمحل تعبد الولي الشهير أبي العباس السبتي بكليز، و هو عند كافة المسلمين من ذلك الوطن محل زيارة و احترام، فضرب به طائراأصاب مقتله من جنس الحمام، و لما رجع من صيده عشية النهار، عزم على النوم بقصدالاستراحة مما أصابه من التعب، بهبوب الريح و سلوك، تلك الأوعار، فحينئذ أمر متولالطبخ عنده بأن يحضر الفطور غدا الذي هو يوم الأربعاء، وقت الساعة العاشرة منه دون تردد و لا امتراء، إذ ذاك وقت رجوعه من ملاقاة السلطان، و فيه انتهاء الخبر بما كان قائلاإن رجع بتنفيذ المطلوب، فلا بأس بتأخير الفطور إلى وقته، و لا يضره ذلك و لو تأخر إلالغروب، لكونه على نية الإقامة، حيث ظفر بالمطلوب و جعله إمامه، و إن رجع خائبا فيجدالفطور مهيئا بالفراغ منه (على) فرسه راكبا، بنية الإياب، و هي طريقة الحزم و الصواب، و كذلك أمر الخدمة و الأعوان بالتأهب للرحيل، و شد ما يحتاج للشد من كل خفيف و ثقيل، كما أوصى زوجه بأن (توقظه) وقت العشاء، و شكى لها ما أصابه من التعب لشدة الريح و تغيير - الهواء، ثم دخل محله و نام، فلما (حان) وقت العشاء أتته (لتوقظه) من المنام، فحركته فإذا هو ميت، فصرخت في وقتها و أذن في الوقت بموته مؤذن صيت، و وصل الخبر حينا للإمام و الوزراء و كافة المسلمين، و فرح الكل بما تيقنوه