فهرس الكتاب
و هيئت له (عرصة) الحاج محمد بن (المدني) بنيس، التي هي أبهى الأماكن و أفضلهابفاس، و أقام بها على غاية الإكرام، و هو في كل ذلك يرتقب (الفرصة) ليشيد رايةدولته بها دون شعور به، فقوى عزمه على أن ذلك لا يتم و لا ينتج مكيدته إلا في يوم عيدالنحر للمسلمين، لاشتغالهم بالصلاة خارج المدينة و افتتانهم بالذبائح أي ذبائح الأضحية عند رجوعهم من مصلاهم، و جعل فيما بين ذلك يبدي مطالبه من السلطان التي ورد في شأنها، مما يرجع للتجارة و السياسة، و من جملتها الحرية، ليبطل بيع الرقيق، إلى غير ذلك من المطالب إلى يوم عيد النحر، شرع يهي ء محل صعود الراية و آلة ارتقائهابأعلاها، فرآه بعض الأعوان ممن كان قائما بأمره من جانب قائد البلد بالأمر المولوي، فذهب مسرعا و أخبر العامة، و شاع أمره، فتسارعت إليه العامة و أرادوا قتله و الهجوم عليه، لو لا عامل البلد بوشت بن البغدادي الجامعي حينئذ سبقهم إليه، و أمر الأعوان بكفهم عنه و زجرهم، و توعدهم بالعقاب من السلطان إن فعلوا شيئا من غير إذنه، فحينئذ رجعت العامة عنه، و أخذه العامل المذكور معه، و الأعوان محيطة به (يمنعون) من رمي الحجارة و الهجوم عليه، إلى أن أوصله للحضرة العالية بالله على أسوء حال مما أصابه من الحجارة و الإهانة، فلينوا له القول حتى استعطفوه و تصالحوا معه على دفع عشرةآلاف ريال له في مقابلة إهانته و ما وقع به من المحن، فدفعها العامل المذكور من ماله حينا، فقبضها و تصدق بجميعها، و لم يأخذ منها شيئا. و سجن العون المخبر العامة بأمره، معاقبة له على ذلك، و بقي بالسجن مدة معتبرة. و خرج من يومه ذلك من فاس، و نزل برأس الماء، و أمر السلطان بإخراج المونة إليه هناك، فأخرجت، و امتنع من قبولها، و ارتحل من هناك منقلبا لبلده، فعوقب على ما قيل على فعله و سوء تدبيره، إذ من عادة دولةالإنجليز إذا وجهت سفيرا (لا) تدبر له أمرا و لا تختار له رأيا، و إنما تفوض له و توكله إلى رأيه و سياسته، فإن رجع بخير و جلب (نفعا) ، لحظوه و أحسنوا إليه لظهور نتيجةسياسته و حسن تدبيره، و صار لديهم معظما، و إن رجع بالخيبة و الخسارة از دروه من أعينهم، و علموا أنه سي ء التدبير غير ماهر في طرق السياسة قبيح السيرة، لم يلتفتوا إليه بعد في أكيد أمورهم و مهماتها، و ذلك دأبهم.