الصفحة 525 من 615

[شجاعة المولى الحسن في وقعة مضيق غياثة]

و لا يبعد أن يكون هذا مراد الناظم بقوله:

إذا كان عون اللّه للمرء ناصرا ... فسهم العدا في الحرب ليس بصائب

و يحتمل، أنه أراد به، ما اتصف به من النصر بمعونة الله، و اعتنائه في أيما وطن من مواطن المعارك و القتال مع الأعداء و (الفرق) الباغية.

و قصد الأبطال و الفرسان من الأعداء بإصابة سهمهم إياه، فحفظه الله تعالى من ذلك بعد ظهور شجاعته و إقدامه، و اعتراف الأعداء له بذلك، و علم مكانته فيها الأبطال و الأقران، و هي أحد أصول الفضائل كما قال الإمام فخر الدين: أصول الفضائل ثلاثة:

الحكمة، و الشجاعة، و العفة. و لا شك في اجتماعها في إمامنا المنصور بالله المولى الحسن.

و هي الثلاثة المجموعة في العدالة، فالحكمة: الخلق الذي يصدر به الفعل المتوسط بين فعلي الحدة و الغباوة. و الشجاعة: الخلق الذي يصدر به الفعل المتوسط بين فعلي التهور و الجبن.

و العفة: الخلق الذي يصدر به الفعل المتوسط بين فعلي الفجور و الخمود.

فمتى أعدلت النفس الشهوانية بهذا التوسط ثبتت لها هذه الفضيلة، و إن انحرفت إلى طرف الإفراط: فهو الفجور، و إلى (طرف) التفريط، فهو الخمود و الفتور. و كلاهما مذموم.

و قال العلماء: الرجال في الشجاعة عند اللقاء ثلاثة أصناف:

أحدهما: إذا التقى الجمعان و اكتحل الأحداق بالأحداق، برز المعترك يحمل و يكرو ينادي: هل من مبارز؟

الثاني: إذا اختلط، بحيث لا يدري أحد من أين يأتيه الموت يكون رابط الجائش، ساكن القلب، لا يخامره الدهش، و لا تخالطه الحيرة.

قلت: و هذا وصف إمامنا المولى الحسن فيما حكي لنا عنه يوم مضيق غياثة من غيرواحد، أنه لما وقعت الهزيمة و تساقط الناس بذلك المضيق في المهاوي و حمى الوطيس، و انتثر نظام الجيوش و دهش المرؤوس و الرئيس، و لم يبق للمدافع حسيس، و اسودّ النهار، بتلك الغبار، و ذهلت الأبطال، و تلفت عن المسالك الرجال، و توغلت الفرسان في الأوعارو تشبثت بالصخور و الأشجار، و هو أيده الله مع ذلك كله رابط الجأش ساكن القلب و اللب، لم يشعر بذلك و لا شغله عن السؤال عن (وزيره) السيد موسى بن أحمد، و إلى أين توجه و هو قريب من العدو في أخرية الناس، و كل من مر به أنّسه و ثبته، و أمره بالتأني و أزال عنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت