فهرس الكتاب
[إنشاء المولى الحسن مكينة لصنع الأسلحة]
ثم قال
تجلّى اعتزازا بعد ذا بمكينة ... فزيد له ذكر بها في الأجانب
لئن وصفت بالضّبط فالوصف فوقه ... أو الحسن فهي من عجيب (العجائب)
التجلي هنا بمعنى العلو من قولهم: تجلى كذا، بمعنى علاه. و الاعتزاز: الشدة و القوة، و منه قوله تعالى: فَعَزَّزْناا بِثاالِثٍ أي قوينا و شددنا، أي تعلى قوة و شدة بعد اتصافه بكمال الأوصاف المحمودة من شجاعة، و حلم، و عفة، و حسن سيرة، و أمور محتوية علانواع السياسة، بإنشائه و اختراعه بهذا القطر المغربي صنعة السلاح المعجب، بآلة معدةلذلك من فلاسفة الروم دون صانع يباشرها، و تهي ء العدد الكثير بها في أقرب مدة، الكافي للجيوش و غيرها، المزري قدرها و خفة تناولها، و إسراع نهوضها وحدتها، و وصول سهامها الرصاصية لأبعد ما يرى من الأرض، بما تقدم من المكاحل المعدة لذلك في القرون الماضية، إذ هي بالنسبة لهذه المخترعة كلا شي ء، إذ بين نهوض المكاحل القديمةو هذه المخترعة الحادثة فرق بين في مقصدها و إصابتها، و أنها تضاعف القديمة في النهوض ثلاثة أضعاف لمن هو عارف بكيفية نهوضها سريع فيه، و إلا فبأضعاف مضاعفة، و كذلك رماحها أجود من الرماح القديمة. و أشاد لمحل هذه بنيانا يشهد له بعظيم القدر و ضخامة الملك و هو المقصود بمكينة في كلام الناظم، إذ هو إسم دار السلاح و غيره من المخترعات عند المسيحيين. و فعله ذلك من الحزم و الإجتهاد، و صرف الهمةلمصالح المسلمين، و إقامة الدين و الإستعداد، فهو من حسناته العديدة، و مآثره الشامخةالمفيدة، التي لم يدركه في فضلها أحد ممن تقدمه من الملوك، و لم يسبقه أحد بالمغرب لنظير منفعتها العامة، و (لا) سلك حزمه ذلك السلوك، متعه الله و المسلمين بنتيجة (نيته) الصالحة، و نفائس جواهر تجارته الرابحة، و ذلك من قضاء السياسة المقررة، على القواعد المحررة، من أن القرن إنما يبارز بقرنه، و الشي ء إنما يوزن بما هو أرجح منه في وزنه، و أمور الحرب إنما تقابل بأمثالها، و النسج على منوالها و مثالها، ألا ترى إلى ماكان عليه الأقدمون من السلاح، كالسيف و عوالي الرماح، و كان تنافسهم إذ ذاك في إجادة