الصفحة 546 من 615

لمراكش من سجلمماسة، و هو متشكيا متعلّلا، إلا أنه يتجلد لما كلف به من الأمور التي لايقوم غيره بها، و لا يعتمد على أحد فيها من المهمات و سائر المحاكمات. و لازال على تلك الحالة إلى أن وصل وادي العبيد من أرض قبيلة تادلا، و هو الحد بين السوس الأقصى و الأدنى، فأدركه أجله هناك في الساعة الحادية عشر من ليلة الخميس ثالث ذي الحجةالحرام من السنة المذكورة.

[أسباب كتم أحمد بن موسى وفاة المولى الحسن و إفشائها بعد ذلك]

و لم يطلع على موته حينئذ غير حاجبه السيد أحمد بن موسى و جاريته السيدة رقية، فكتما موته خيفة من النزاع و افتراق الجماعة، بما اشتملت عليه الجيوش من كل نوع و بتباين أغراضهم و مقاصدهم زيادة على ما هم عليه من الحلول بأرض تادلا، و لا تنال أهلها الأحكام، و لم يخشوا مدة حياتهم سطوة إمام، لما هم عليه من القوة و العصبية و الاستعداد، و ولوعهم بالبغي و الفساد، و نهب الطرقات و أخذ الأموال، و سفك الدماء و إساءة الأحوال.

و عقبه شمر الحاجب [المذكور] عن ساعد السياسة، إلى أن اكتسب بها ما أورثه الرياسة، فجعل السلطان في تابوت و جعله داخل محفته، و أخرج الإذن عنه للناس فنادى منادي الرحيل بمحلته، فبادرت الجيوش لتنفيذ أوامره، ثم يأمر بما يناسب من ذلك لقواد الجيش و أكابره، و تارة يجيب بالإنعام و السيادة، كأنه يناديه لرفع الوسادة، و تارة يكلمه ثم يأمر بالماء للشراب، و يدخله عليه عاجلا على عادته من التعظيم و الإرهاب، و بعض الأحيان يطلب أزواجه، يعين من يباشر أمره عند قضاء الحاجة، و يأمر بالوقوف هنيئة قدر الفراغ من ذلك، و لازال مدة يومه سالكا تلك المسالك، على ما هو عليه ذلك اليوم من الحر الشديد، و السير الحثيث الذي ما عليه من مزيد، إلى أن خرج من أرض من يخشى منهم الفتنة، و توغل في أرض الأمان من كل محنة، فحينئذ اجتمع الحاجب المذكور مع الوزراء، و الرؤساء و الأمراء، و عرفهم الخبر و ما دبره من الكتمان، و الجد في السير إلى أن تجاوز أرض الخوف و العصيان، ففشا في القوم وقته خبر موت السلطان، و استحسنوا رأيه المصيب، و أخذ كل واحد حظه من الحزن على موته و ضرب له بأوفر نصيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت