فهرس الكتاب
و جعل يدخل في أمور ليست من وظيفه و ينجزها، و لا يصدر من أحد (أمر) أو نهي إلا و يعرض عليه حتى يسلمه أو يرده. فضاق من ذلك الوزير الحاج المعطي (ذرعا) لكونه الوزير الأعظم و أخوه السيد محمد الصغير وزير الحرب، فجعل يدعو خفية لبيعة مولاي محمد بن مولاي الحسن المعزول بمراكش، و يرتقب انتهاز (الفرصة) بالنهوض في شأنه.
و الحاجب يلاحظ- أيضا- و ينتظر إمكان انتهاز (الفرصة) في المكر به و القبض عليه، لما في الهجوم عليه من انتشار الفتنة لكون جيش شراقة و أولاد جامع من حزبه، و العساكر كلها تحت يد أخيه، و الوزير أمل وقوع ما نواه بالحاجب من إبطال دعوته إنما يكون عند حلوله بفاس، لكون عصبيته بها، و الحاجب على بال، بصير بالأحوال، خبير بما أضمره الوزير و تحدث به في شأنه. فلما نهض السلطان من الرباط يريد ما سواه من الأمصار، مال الوزير إلى التوجه لفاس و الحلول بها قائلا أنها قاعدة المغرب و قطب رحاه، و باحتلالها يسهل كل شي ء، و لا يبعد منها شي ء، و الناس متشوفون لحلول السلطان بها دون ما عداها.
و مال الحاجب إلى المرور بمكناسة الزيتون، قائلا: إن العادة قاضية بالمرور بها لا بد، لكونها مقر الجيوش، و دار ملك لمولانا إسماعيل، و وسيلة لزيارة مولانا إدريس بن عبد الله الكامل لقربه منها، و لأن أهل فاس قد وصلت بيعتهم و تم أمرهم، و أن الأعيان منهم يردون علينا بها، و لا يفوتنا شي ء من أغراضها.
فجنح السلطان لكلام الحاجب، و أمر بالمرور بها ليقضي الواجب، فلما حل بها و أقام، و الوزير و الحاجب كل منهما يريد بصاحبه الانتقام، إلى أن تمكنت مكيدة الحاجب بعصبية الجيش البخاري، و ظهر صيته و انتشر أمره و نهيه في الأمصار و البراري، لما بذله للوفود على الحضرة العلية من الأموال، و قابلهم به من الإحسان و طيب الأقوال، و ما شاهدوه منه من المباششة و التواضع و جميع الأحوال، و قضاء مآربهم على يده دون مكابدة مشقة و أهوال، فحينئذ خرج يوما من محل جلوس السلطان، لتبليغ ما أمره به مما لا يسعه في ذلك كتمان، و الوزير الأعظم جالس بمحله، كما أن وزير الحرب جالس على مهله، فقام على رأس الأول خاطبا، و (لكليهما) مخاطبا، فقال: اسمعوا كلام سيدنا فإنه قال: قل للذين طَغَوْا فِي اَلْبِلاادِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا اَلْفَساادَ، قد كفرتم بنعم الله، الذي أورثكم بوجود