فهرس الكتاب
والده المقدس، العز و الجاه، و رفع قدركم بعد الانحطاط، و عظم شأنكم و ميزكم بعد الاختلاط، و بسط لكم يد التصرف على كل الرعية زيادة على ما أعطاكم، فنلتم منها من الأموال و الذخائر ما أطغاكم، فارتكبتم لخبث أوصافكم و سوء نيتكم (بدل) المجازاة بالإحسان العقوق، و ارتديتم بأردية الكبر و التعاظم على كل مخلوق، و منعتم (من) اختص بكم من أداء الحقوق، و قد بلغنا ما أردتموه من غيرنا، و تحققنا بعزمكم على نقض بيعتنا، و لولا مراعاة محبة والدنا لجانبكم، لدهمكم ما لا طاقة لكم به من جانبنا، لكن اذهبا لمحلكما و لازماه، و اختلا برأيكما و نادماه.
فقاما من بين الوزراء و الرؤساء على أسوء حال، و جلس الحاجب مكان الوزير الأعظم في الحال، و ذهب الصدر لداره مهانا، كأنه ما أمر و لا نهى قط خدمة و أعوانا، حتى أنه لم يجد معينا وقته على ركوب بغلته، إلى أن أقبل بعض الأعوان ممن لا خبرة له بعظيم محنته، فأركبه و سار لداره، كما خرج أخوه ماشيا يعثر في أطماره.
و بعد ثلاثة أيام، أمر صاحب الشرطة بالقبض عليهما المتولي بمكناسة الأحكام، فأخرج كلا منهما من داره الأعوان، على حالة تورثهم مدة حياتهم الأحزان، فقد خرج كل منهما عاري الرأس ممزق الثياب، بعنقه سوط يقاد به إلى السجن و إليهم العذاب، و قد سخر منهم الولدان، و (أذاقهم) لذة الصغار العبيد و الأعوان، و أنكرتهم الأقارب و الإخوان.
و بعده وجههما الحاجب لسجن تطاوين، و جرى عليهما من المحن، بأخذ كل ما ينسب إليهما من الأملاك و الدخائر و الدواب و الأنعام ما (يملأ) الدواوين.
و من جملة أملاك الصدر الأعظم داره بدرب الحرة من طالعة فاس، و كان أمر ببنائهاعلى كيفية اخترعها لا بإشارة أحد من الناس، و أنفق على تشييد أركانها و تنميقها على ماقيل [ما] يزيد على مائة ألف ريال، و أعد لها من فرش الحرير و القماش المغشاة بالقطن و الصوف الجيدة ما يناسب قدرها و حالة العيال، و كان حريصا على إتمامها ليتمتع بهاعند الورود، فإذا هو في ذلك شقيق النمرود، فأحرمه الله من رؤيتها، و متع عدوه بها.
و كان الحاجب قد استفتى العلماء في شأنهما، و شرح لهم قضيتهما، بكونهما أراداافتراق كلمة الجماعة بشق العصا، و نكثا ما التزماه من بيعة مولاي عبد العزيز، و أرادامبايعة مولاي محمد، فأفتى بعض العلماء بقتلهما، و بعض العلماء بتخليدهما في السجن، فحينئذ وقع القبض عليهما بعد طردهما من محل حكومتهما كما قدمنا، ووضعا