فهرس الكتاب
الرسمية مع الرينة، فتهيأ و نزل من محل نزوله بقصد ذلك، و لما فارق المحل [و سار] تعرض له جنيرال من جنيرالات الدولة المذكورة و لطمه بوجهه لطمة قوية، و هو على حين غفلة، غير ظان بوقوعها و لا سمع قط بمثلها، لشدة ما أصاب هذا اللاطم من الغيظ و الحزن على ما فعله زناتة الريف من قتل أقاربه بمليلية فيما سبق. و قال عند لطمه هذه اللطمة: أخذت ثأري بقتل الجنيرال مركايو، فاغتم السفير المذكور لذلك غما شديدا، لما أصابه من الإهانة و الإحتقار، و عظم عليه ذلك و رجع من طريقه، و امتنع من الملاقاة مع رينة الدولة المذكورة.
[موقف المؤلف من سلوك الجنيرال الإسباني]
و ما سلكه هذا الجنيرال من فعله الذميم، إنما هو من شأن الرعاة و الأجلاف، و السفلة و الأطراف، لا من شأن ذوي الهمة العالية من الرجال، و لا من شيم من خاض معامع الحروب و بارز الأبطال، على أن أخذ الثأر إنما هو بالسيف عند موجبه بالاقتدار، إذ هوحينئذ من جنس الجناية، و أما اللطمة على حين غفلة في مقابلة الدم فمن الفشل و الغواية، و سقوط الهمة و (الدناءة) ، فهي دليل عجزه و جبنه، عن مقاومة و مصارعة قرنه.
و لازال السفير عند جميع الأمم الماضية و من بعدهم إلى الآن يقابل بالتعظيم و الإجلال، و يعامل بالجميل و القول اللين في التفصيل و الإجمال.
و بهذه الفعلة الشنيعة، ازدادت هذه الدولة مذلة و احتقارا، و امتازت عن سائر الدول انتقاصا و استصغارا، فانظر إلى أثر صنيع دولة الفرنسيس، التي هي أشرف دول المسيحيين هل يرضى أحد منها بمثل هذا الفعل الخسيس، و قد حاربهم الأمير [السيد] الحاج عبد القادر بن محيي الدين، و قتل منهم رجالا و أبطالا و رؤساء و أمراء، يجب الحزن عليهم و الأخذ بالثأر من قاتلهم، لا يشك أحد في أنهم أفضل و أشجع و أعظم من مركايو قتيل هذا الذميم، و مع ذلك لما سار إليهم و حل أرضهم و نزل بين أظهرهم، و هو حينئذ في حكمهم و تصرفهم، قابلوه بالإحسان و البرور، إلى أن سرحوه مكرما على غاية الفرح