فهرس الكتاب
و كان هذا الحصار على الوجه المذكور، هو سبب نهوض الوزير من فاس في أواخرربيع النبوي من عام إثني عشر و ثلاثمائة و ألف، فنهض منها بجيوش لا حصر لعدها، بعد أن رتب عمالتها، و مهد أوطانها، و ولى قوادها و قضاتها، و ترك المولى عرفة بن سيدي محمد خليفة بها، مجردا من الجيش، غير مأذون له في اتخاذه، موكلا به من يرعاه، و يلاحظ أحواله، و يتجسس أخباره، و يبلغ كل ما صدر منه إليه.
و لما قرب من مراكش اختل نظام ابن الطاهر الرحماني، و تفرقت جموعه بعد انهزامها، و آل أمره أن قبض عليه و جعل في قفص من حديد، و طيف به في المحلة، و دخل مراكش على تلك الحالة، و طيف به أيضا في أسواقها و أزقتها، و لم يبق عليه نوع من العذاب، و هو في كل ذلك راكبا على جمل في قفص من حديد.
[القبض على نحو الألف من سكان قبيلة الرحامنة]
كما قبض أيضا على نحو الألف من قبيلة الرحامنة المتعصب بهم، و بعده أمر بتفريقهم على السجون. فوجه منهم لسجن فاس عددا دخلوا على أسوء حال، محمولين علالبغال، كالخشب بالأخراج كل إثنين على بغل، و كل واحد منهما بعين الخرج معادلا لأخيه، و هم مصفدون في الحديد تقشعر منهم الجلود، مع ما هم عليه من الشعث و الاصفرارو النحول من أثر العذاب و الجوع. و كذلك وجه عددا لرباط الفتح، بقصد السجن، و كذلك عددا لسجن تطاوين، و سجن جزيزة الصويرة. و الكل على حالة ما ذكرناه، دون ما أبقاه بسجن مراكش. و بقوا بالسجن إلى أن مات جلهم به، و سرح بعد مدة طويلة من بقي منهم به.
و كان قبضه لهم على وجه (مجيئهم) إليه بأمره، دون جابر لهم على المجي ء من عون أو جند، فكان يأتي الرجل منهم راكبا على فرسه و بيده مكحلته متقلدا بسيفه، فيأمره بالنزول فينزل، و يأمره بوضع سلاحه فيضعه، ثم يأمره بالسجن فيذهب له دون تردد، إلى أن شتت شملهم، و فرق جمعهم، و أباد قبيلتهم، فدخل رعبه قلوب القبائل، و (خاف) بطشه و سطوته (كل) داني و (قاصي) ، و مهد الحوز أتم تمهيد، و انقاد إليه أهل السوس انقيادا ما عليه من مزيد، و كذلك قبائل البربر ممن عداه.
و ساس المغرب سياسة أمن بها من كل ما يطرأ عليه من الحوادث و يخشاه.