الصفحة 559 من 615

[فشل سفارة محمد بن موسى بباريس]

و في هذه السنة وجه الوزير المذكور أخاه محمد فتحا سفيرا لدولة فرنسا، و في صحبته الفقيه السيد محمد بن سليمان معززا به لما كان عليه من كمال العقل و حسن السيرة و الأدب، و معرفته لمباشرة الأمور مع الديانة.

و لما حلاّ عاصمة الدولة التي هي باريس، و أقاما بها أياما، اعترى السفير المذكوراختلال (بعقله) ، و كان من عادته ذلك، لتطبعه و مصاحبة داء الوسواس له، و لم يسعه حينئذ إلا الرجوع لمراكش من تلك السفارة بغير طائل، لتعذر قضاء الوطر بوجود الداء المذكور، حيث لم يستقم التوصل به للغرض الباعث (عليها) .

[موقف المؤلف من سفارة محمد بن موسى]

و كان من حقه (أن لا) يوجه للسفارة أخاه المذكور، لما يعلمه من اعتراء هذا الداء له في بعض الأحيان، و لا سيما عند مفارقته لوطنه الذي هو مسقط رأسه، و مغايرة ما ألفه من الهواء و الطبائع بأرضه، و رؤيته ما يقضي منه العجب، من بديع الصنائع بآلات المكينات، المحتوية على ما يبهر العقول و (يغيرها) ، و من المخترعات العجيبة مما لا يخطر على بال وجودها في العالم، و من الخوارق العادات، حتى أن من كان له عقل سليم يخشى عليه من اختلاله بمشاهدة تلك العجائب، لعدم قبول العقل دخولها في الإمكان، لولا مشاهدته لها بالعيان. فكان ذلك أقوى سبب تحرك هذا الداء، المبتلى به عليه.

لكن حمله على ذلك، حرصه على عدم إطلاع الغير من الأجانب على سره، و لذلك عززه بأفضل ما لديه من الأعيان فقها، و أدبا، و ديانة، و مروؤة، و أمانة، و معرفة، و سياسة.

و كان اعتماده في الحقيقة عليه، و كان لذلك مصدّرا للوزارة عند السلطان مولاي الحسن رحمه الله، لم يقدّم عليه أحدا لذلك المنصب، لما اتصف به من الشمائل المحمودة، لكن اخترمته المنية قبل وصوله مطلبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت