[تمكن المنبهي من الاختصاص بالسلطان و الاستبداد بالرأي]
إلا أنه كان مساعدا للسلطان في كل ما أراد، عند خلعه (ربقة) الحجر من عنقه بموت الوزير، و ارتكابه هواه و رأيه، حيث لم يبلغ درجة الوزير في التحجير عليه.
و كان يعينه- على ما اشتهر من ألسنة الناس- بكل ما يدخل عليه السرور، و يقويه على ذلك بأمور المخترعات الإنجليزية، من زخارف صوره و عجائب صنعته، و كل ماأمكنه جلبه له مما يوافق طبعه و هواه، من الملاهي الصارفة له عن منهاج سيرة والده الحميدة، و ما كان عليه من الدين المتين، و الجد و الاستقامة.
و غرضه بذلك زيادة الرضى عنه، و الاغتباط به، و الانبساط معه بموافقته هواه، ليتمكن بمراده منه، من الاختصاص به و إلقاء الأمور كلها بيده، كما كان الوزير الأعظم قبله: [الكامل]
إنّ الصّديق إذا رآك مخالفا ... لهواه بدّل ودّه بعقوق
فاخفض جناحك للصّديق متابعا ... أهواءه أو عش بغير صديق
فبلغ بذلك مبلغا لم يبلغه غيره معه، و صار الحل و العقد بيده، و لا يبرم أمر دون مشورته و رضاه به.
و متى اجتمع أعضاء الدولة على حكم نازلة، أو تدبير أمر، أو تولية ولي أو عزله، إلاو يكون رأيه في ذلك مقدما و لو خالف رأي الجميع، و كان المرجع إلى رأيه متعينا.
[سلوك الوزير المختار و نصحه للسلطان]
و كان الوزير الأعظم حينئذ الحاج المختار المذكور، سالكا منهاج سيرة من قبله من محاولة الحزم، و الضبط، و مرعاة أوصاف المروءة، و الديانة، و المحافظة على اتباع الشريعة، و تولية من يستحق التولية، و عزل من يستحق العزل على يده، و ربما أنكر علالسلطان ما اشتغل به، مما يليق بمنصبه الرفيع و قدره الشريف، و حذّره سوء عاقبة ذلك، و أرشده إلى سيرة آبائه الكرام، مما يليق بمنصب (الإمامة) لما يجب عليه من النصح مشافهة، و لم يصغ لمقاله، لما تمكن منه من الولوع بالملاهي و الشهوات، المناسبة لقوةالشبابية، و مظنة وقوعها في المنهيات، و عدم الزاجر له بالقوة القهرية، كما كان الوزيرالمتوفى يعامله، و لسان حاله يقول كل حين: نصحت فلم أفلح و خانوا فأفلحوا.