و في علمها أن المغرب محتوي على أوباش البربر، و أجلاف الأعراب، إلا ما قل منهم:
[الطويل]
و ما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف ببيت من رخام و مرمر
وهم على غاية التوحش، و شدة النفور من هذه المخترعات التي لم يألفوها و لا رأوهاقط مدة حياتهم، لما جبلت عليه النفوس من النفور من غير المألوف لها، و لا سيما عندرؤيتهم إحداثها و مباشرة أمرها، على يد من ليس على دينهم و لا على شكلهم و لسانهم، فهو حينئذ مظنة النفور و الإبعاد.
و قد وقع بالفعل و شهدته العيان، فلا يقبل عاقل عذرها في هذا، مع مالها من التقدم في التمدن، و القدم الراسخ في السياسة. و لها مستعمرات عديدة في جميع الآفاق، مختلفةالطبائع و الأهواء.
و قد ساست جميعها و (عالجت) داءها، بما يناسب حالها. و ما نالت تلك الأقطارالشاسعة إلا بعد جد و اجتهاد، و مكابدة المشاق العظام.
فهي جهينة أخبار الممالك، و رئيسة أوعار المسالك، فكيف يخفى عليها حال أهل المغرب، و اشتهار قبائله البربرية و العربية بعدم الانقياد للطاعة، لعصبيتهم، و توغلهم في الجبال الوعرة و توحشهم بها.
فتعين أن يكون ما أشارت به، فيه دسيسة خفية لها، فيها نفع قوي، و قد انتهزت الفرصة بتمكينها، بسبب تحريضها الدولة الشريفة، على الشروع في هذه المخترعات المنافية لطبائع الرعية، و الله أعلم.
و لو أرادت النصيحة الحقيقية دون دسيسة، لأشارت عليها بإدخال العلوم الرياضيةلوطنها، و بناء المدارس لقراءتها و تدريسها، و الاجتهاد في (تحصيلها) ، و بثها في المدن و القرى و القبائل، حتى يتأدب الجاهل، و يتأنس المتوحش، فتكتسب الدولة حينئذ رجالايدفعون عنها، بما علموه من العلوم الرياضية.
و لا ينكر أحد فعلهم فيما أرادوه من التمدن، بمباشرة المخترعات، للمجانسة في الشكل، و الدين، و ظن النصيحة، و الإصلاح.
و لا يحتاجون لأجنبي يمازجهم، و يخالطهم، و يطلع على عوراتهم، بوسيلة الاضطرارإليه، لتعليم الحرب و غيره كما هو الواقع.