و في كل دولة أن السكة عندهم على حسب الإمكان، من الاستقامة و الاعوجاج، و الميل و الانحراف، و لا تخلو من ذلك سكة إلا هذه، و السبب في ذلك على ما يحكى أنهم لما أرادواامتدادها، و اجتمعوا على تعيين وضعها، عين كل واحد من العارفين بعلم ذلك محلا تمر به، و رأى أنه المناسب للصواب، و خالفه غيره بما رآه أيضا أنسب و أصوب. فوقع النزاع بينهم لاختلافهم في كيفية امتدادها، و خط كل واحد منهم صورة ما اختاره برأيه و مزيد معرفته، و عرضوا تلك الصور العديدة في وضعها على القيصر نيكولا الأول، فأعرض عن ذلك بعدأن تأمله، و أخذ القلم و المسطرة، و خط خطا في غاية الاستقامة، جمع بين العاصمتين به، و قال: هكذا يكون امتداد السكة بينهما دون اعوجاج و لا مرور بشي ء يشين استقامتها، فجعلوها على الوصف المذكور.
و أقام الوفد المغربي- أيضا- بعاصمة موسكو في ضيافة الروسيا نحو الستة أيام، و جال كذلك في جميع شوارعها و محلات مآثرها، و بديع مبانيها، كما شهدوا من عجائب أمورها- أيضا- من بعض مدخراتها، فراش نابليون الأول، الذي هو سلطان الدولةالفرنسوية (الذي) كان ينام عليه، و كانوا أخذوه له عند وروده عليهم محاربا لهم في أوائل القرن التاسع عشر العجمي فيكون بالعربي نحو المائة سنة من يوم أخذه، و لازال على هيئته لم يتغير منه شي ء، لشدة محافظتهم عليه مما يؤثر فيه نقصا أو تغييرا، ليبقى عبرة لمن بعدهم و افتخارا لهم و احتجاجا على قوتهم من القديم.
كما شاهدوا- أيضا- بها، النعل المسمى بالجزنة لديهم، التي كان يلبسها قيصرالروسيا بطرز الأكبر المتقدم الذكر، و قد مضى نحو (المائتي) سنة من يوم موته، و لازال قائم الذات صحيح الجرم، و في طولها خمسة أشبار، و هي شاهدة على ضخامة جسمه و (عظيم) جثته بطول قدمه.
[رجوع سفارة ابن سليمان إلى باريز ثم المغرب]
و بانقضاء الغرض المتعلق بهذه الدولة- أيضا- على ما ينبغي، رجع الوفد إلى باريز، و أقام بها بقصد الاستراحة ثلاثة أيام، لما أصابه من النصب لبعد المسافة بين العاصمتين، إذ ما بين عاصمة باريز و عاصمة موسكو ثلاث آلاف كيلو متر، و قدر مسافتها