كما نجح الحنابلة بعد حشد مناصريهم من العامة، ومن كان على مذهبهم، بمنع الشافعية من حضور الجمعة والجماعات، بحجة أنهم كانوا على مذهب الأشعري في الأصول 1. وكان كل ذلك يتم بمساعدة قوية من الشيخ الأجل أبي منصور بن يوسف 2، الذي كان رئيسا في بغداد، فكان بالنسبة للحنابلة مقابل الوزير نظام الملك للشافعية.
وبالإجمال يمكن القول إن السواد الأعظم من عامة بغداد، كان يتمذهب بالمذهب الحنبلي، ومن أعيان الحنابلة في هذا العصر: القاضي أبويعلى الفراء، والشريف أبوجعفر عبد الخالق بن عيسى الهاشمي (470 ه/ 1077 م) ، وأبومحمد التميمي (- 488 ه/ 1095 م) .
بدأ المذهب الظاهري في الظهور في بلاد المشرق الإسلامي، وقد أسسه داود بن علي الأصبهاني (270 ه/ 883 م) ، وقد سمي هذا المذهب بالظاهري، لأن دعاته تمسكوا بشدة بظاهر النصوص دون صرف دلالاتها الظاهرة بتأويل أوغيره 3.
ومن اللافت للنظر أن السلطان البويهي عضد الدولة قد ساعد في انتشار هذا المذهب في بلاد المشرق الإسلامي، ويقال: إن هذا السلطان قد كان على المذهب 4، لذا فقد ولى الكثير من أعلامه القضاء والأعمال الإدارية في تلك البلاد.
أما في القرن الخامس الهجري، فقد ظهر المجدد لهذا المذهب ابن حزم الظاهري (456 ه/ 1063 م) ، الذي تمكن من استنباط أصوله وضمنها كتابه الشهير: الإحكام في أصول الأحكام 5. وبعد أن أصل ابن حزم هذا
1)ابن كثير، البداية والنهاية ج 12 ص 66.
2)البغدادي، تاريخ بغداد ج 2 ص 256، والشيرازي، المعونة في الجدل، مقدمة المحقق عبد المجيد تركي ص 32، 33.
3)آدم متز، الحضارة الإسلامية ج 1 ص 390.
4)الشيرازي، المعونة في الجدل، مقدمة المحقق ص 24.
5)محمد أبوزهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية ص 594.