المستحدث، فإنه لم يفتهم الاشتغال بما سار عليه المحدثون السابقون لهم في العصور الماضية، من جمع الحديث وترتيبه على أبواب الفقه، أوعلى أساس رجالات السند، كما فعل البيهقي في موسوعته الحديثية التي سماها السنن الكبرى 1، ولم يفت أيضا علماء هذا العصر، الاقتداء بسيرة المحدثين السابقين من جهة الرحلة في طلب الحديث وسماعه وجمعه، فكانوا يتفاخرون بكثرة الارتحال، وكثرة التلقي عن الشيوخ 2.
رجع علماء القرآن والتفسير في عصر إمام الحرمين إلى سيرة علماء القرن الثالث الهجري، وحذوا حذوهم في التأليف بكل علم من علوم القرآن على حده، إذ لا نجد في هذا العصر أي مؤلف جامع لهذه العلوم، في حين كثرت المؤلفات التي تعالج هذه العلوم منفردة، مع التركيز على علم القراءات وعلم التفسير 3.
ومن أهم المؤلفات التي ظهرت في علوم القرآن: أسباب النزول للواحدي النيسابوري (468 ه/ 1075 م) ، والتيسير في القراءات السبع لأبي عمروالداني 4 (444 ه/1052 م) ، وإعراب القرآن لأبي الحسن الحوفي 5 (430 ه/ 1038 م) ، وفضائل القرآن لأبي العباس المستغفري 6 (432 ه/ 1040 م) .
كذلك اهتم علماء هذا العصر اهتماما خاصا بعلم التفسير، وصنفوا فيه المؤلفات الطوال، كتفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن لأبي إسحاق الثعلبي 7 (427 ه/ 1037 م) ، الذي فسر فيه القرآن بما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، دون أن يغفل فيه المسائل اللغوية والنحوية،
1)البيهقي، إثبات القدر، مقدمة المحقق محمد الزبيدي ص 36.
2)صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه ص 53.
3)ابن خلدون، المقدمة ص 437.
4)ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء ج 1 ص 505.
5)السيوطي، بغية الوعاة ج 2 ص 140.
6)السمعاني، الأنساب ج 5 ص 286.
7)ابن الجزري، غاية النهاية ج 1 ص 100.