وقد تكلم الناس في الكرامات وأفاضوا والأمر فيها يسير، فإن آدم خلقه الله من طين، وفى حال كونه طينًا قال عنه الله: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) ، فلما اقتضت العناية الإلهية إخراجه من ديوان الإهمال إلى ديوان الإختصاص قال للملائكة: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) فكان السجود لآدم بعد نفخ الروح فيه وهى النور الذى غيَّرَ في الجسد الذى كان كالحجر فلما نُفِخَ فيه هذا النور تغيرت مواصفاته وسرت فيه الحياة وصار من أعقد المخلوقات وأرقاها، فكانت الروح هى محل الخطاب بالسجود. وهى القوة التى غيرت من معالم الحجر وبالتالى فإنها ما دامت قد غيرت من مواصفات الحجر كما حدث فإنها تستطيع أن تأتى بأشياء خارقة لا يتصورها العقل وتستطيع أن تغير في هذا الكون إذ ليس هناك أعظم من تغيير الحجر إلى إنسان.
والإنسان ينقسم إلى شقين: روح وجسد، وقد غلفت الروح بهذا الجسد الترابى فحجبها عن سريانها وأسرارها، فإنها قد اقتبست من الأنوار الإلهية حين تجلى الله عليها في عالم الذر حيث يقول تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) .
ولذلك نرى الصوفية يسعون إلى إرجاع الروح إلى حالة الشهود المشاهدة الأولى.
والشيخ العارف بالله والولى الكامل الجامع بين الشريعة والحقيقة عليه أن يأخذ بيد المريد في المجاهدات والرياضات والعبادات إلى أن يوصله إلى حالة المشاهدة الأولى، وهذا معنى التصوف في الإسلام.