وَأَوْهَى أَسَانِيدِ الْخُرَاسَانِيِّينَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَلِيحَةَ عَنْ نَهْشَلِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
فَهَذِهِ أَسَانِيدُ وَاهِيَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَرُوَاتُهَا الأُوَلُ فِي كُلِّ سَنَدٍ قَدْ تُكُلِّمَ فِي ضَبْطِهِمْ، كَمَا تُكُلِّمَ فِي عَدَالَتِهِمْ، وَوُجُودُ أَمْثَالِهِمْ فِي الأَسَانِيدِ يُوَهِّيهَا، وَيُضَعِّفُهَا جِدًّا، وَأَمَّا بَقِيَّةُ الرُّوَاةِ فِي هَذِهِ الأَسَانِيدِ فَمِنْهُمُ الثِّقَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَبِغضِّ النَّظَرِ كَذَلِكَ عَنِ الْعِلَلِ الأُخْرَى فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَسَانِيدِ، فَمُرَّةُ الطَّيِّبُ ثِقَةٌ، لَكِنْ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مُرْسَلَةٌ، لَكِنْ لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَةِ، وَإِنَّمَا الَمْقَصُودُ صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى الدَّقِيقِيُّ، فَهُوَ وَاهٍ بِمَرَّةٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ النَّاظِمُ مِنْ بَيَانِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَتْنِ وَالإِسْنَادِ بِأَنَّهُ: صَحِيحٌ، أَوْ حَسَنٌ، أَوْ ضَعِيفٌ، أَخَذَ فِي بَيَانِ صِفَاتِهَا، فَقَالَ:
وَمَا أُضِيفَ لِلنَّبِيْ الْمَرْفُوعُ ... وَمَا لِتَابِعٍ هُوَ الْمَقْطُوعُ
«وَمَا» مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ، أَوْ صِفَةٍ، تَصْرِيْحًا كَانَ أَوْ تَلْوِيْحًا حَيْثُ «أُضِيفَ لِلنَّبِيِّ» ؛ سَوَاءٌ أَضَافَهُ صَحَابِيٌّ، أَوْ تَابِعِيٌّ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُمَا، حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ قَوْلُ كُلِّ قَائِلٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ هُوَ «الْمَرْفُوعُ» فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُتَّصِلُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ، وَالْمُعَلَّقُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الاتِّصَالِ، وَيَخْرُجُ الْمَوْقُوفُ وَالْمَقْطُوعُ لِاشْتِرَاطِ الإِضَافَةِ الْمَخْصُوصَةِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي تَعْرِيفِهِ.
وَثَمَّةَ قَوْلٌ آخَرُ: قَالَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: الْمَرْفُوعُ مَا أَخْبَرَ فِيهِ الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ أَوْ فِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا مَا يُضِيفُهُ التَّابِعِيُّ فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى النَّبِيِّ لا يُسَمَّى مَرْفُوعًا.
لَكِنِ اعْتَذَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَطِيبِ لِلصَّحَابِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أَوِ الْغَالِبِ ; لِكَوْنِ غَالِبِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصَّحَابَةِ، لا أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْيِيدِ، فَلا يَخْرُجُ حِينَئِذٍ عَنِ الأَوَّلِ، وَيَتَأَيَّدُ بِكَوْنِ الرَّفْعِ إِنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى الْمَتْنِ دُونَ الإِسْنَادِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ أبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ: وَمَنْ جَعَلَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُرْسَلِ فَقَدْ عَنَى بِالْمَرْفُوعِ الْمُتَّصِلَ أَيْ بِالنَّبِيِّ، فَهُوَ مَرْفُوعٌ مَخْصُوصٌ، لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَرْفُوعَ أَعَمُّ مِنَ الْمُتَّصِلِ وَغَيْرِهِ.
وَلَخَّصَ ذَلِكَ كُلَّهَ صَاحِبُ الأَلْفِيَّةِ:
وَسَمِّ مَرْفُوعًا مُضْافًا لِلنَّبِي ... وَاشْتَرَطَ الْخَطِيبُ رَفْعَ الصَّاحِبِ
وَمَنْ يُقَابِلْهُ بِذِي الإِرْسَالِ ... فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَال
«وَمَا» أُضِيفَ «لِتَابِعٍ» قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ صِفَةً «هُوَ الْمَقْطُوعُ» حَيْثَ خَلا ذَلِكَ عَنْ قَرِينَةِ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ، وَكَالتَّابِعِيِّ مَنْ دُونَهُ إِلَيْنَا.
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرٍو: وَهُوَ مَا جَاءَ عَنِ التَّابِعِينَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، أَوْ أَفْعَالِهِمْ.