وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ , حَتَّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ , وَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ فِيهِ السَّمَاعُ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الْعَنْعَنَةِ.
وَمَالَ إِلَيْهِ أَبُو عَمْرٍو قَالَ: وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ اَلْمُسْنَدُ فِيمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ دُونَ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَغَيْرِهِمْ.
قُلْتُ: فَمُقْتَضَى هَذَا الْقَوْلِ دُخُولُ الْمَقْطُوعِ وَالْمَوْقُوفِ؛ يَعْنِي قَوْلَ الصَّحَابِيِّ فَمَنْ دُونَهُ!، وَفِيهِ مَا فِي سَابِقِهِ مِنَ الانْتِقَادِ.
وَفِي «فَتْحِ الْمُغِيثِ» لِلسَّخَاوِيِّ: قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي «الْمُعْتَصَرِ» : وَقَوْلُ الْحَاكِمِ أَصَحُّهَا، إِذْ لا تَمْيِيزَ إِلاَّ بِهِ، يَعْنِي لِكَوْنِ قَائِلِهِ لَحَظَ فِيهِ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمَرْفُوعِ، مِنْ حَيْثِيَّةِ أَنَّ الْمَرْفُوعَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الْمَتْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الإِسْنَادِ اتَّصَلَ أَمْ لا، وَالْمُتَّّصِلُ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الإِسْنَادِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَتْنِ مَرْفُوعًا كَانَ أَوْ مَوْقُوفًا، وَالْمُسْنَدُ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى الْحَالَيْنِ مَعًا، فَيَجْمَعُ شَرْطَيْ الاتِّصَالِ وَالرَّفْعِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنِ كُلٍّ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَالْمُتَّصِلِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُلُّ مُسْنَدٍ مَرْفُوعٌ، وَكُلُّ مُسْنَدٍ مُتَّصِلٌ، وَلا عَكْسَ فِيهِمَا.
وَمَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ يَتَّصِلْ ... إِسْنَادُهُ لِلْمُصْطَفَى فَالْمُتَّصِلْ
«وَمَا بِسَمْعِ كُلِّ رَاوٍ» مِمَّنَ فَوْقَهُ «يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ» إِلَى مُنْتَهَاهُ، سَوَاءً كَانَ اتِّصَالُهُ «لِلْمُصْطَفَى» أَوْ لِصَحَابِيٍّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ «فَـ» هُوَ «الْمُتَّصِلُ» وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: الْمَوْصُولُ، وَالْمُؤْتَصِلُ - بِالْفَكِّ وَالْهَمْزَةِ -، وَهِيَ عِبَارَةُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ «الأُمِّ» ، وَعَزَاهَا إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ.
وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الشَّيْءُ الْمُلْتَئِمُ، وَالْمُتَجَمِّعُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، فَهُوَ بِعَكْسِ الْمُنْقَطِعِ.
وَهُوَ بِهَذَا الاعْتِبَارِ قِسْمَانِ:
[1] مُتَّصِلٌ مَرْفُوعٌ، مِثَالُهَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» (كِتَابُ الْعِلْمِ / بَاب لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ / ح 106) : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ: «لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِجِ النَّار» .
[2] وَمُتَّصِلٌ مَوْقُوفٌ، مِثَالُهُ فِيهِ (ح 5285) : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ: كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ؟، قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ.
وَأَمَّا أَقْوَالُ التَّابِعِينَ إِذَا اتَّصَلَتِ الأَسَانِيدُ إِلَيْهِمٍ، فَلا يُسَمُّونَهَا مُتَّصِلَةً.
قَالَ أَبُو عَمْرٍو ابنُ الصَّلاحِ: وَمُطْلَقُهُ - يَعْنِي الْمُتَّصِلَ - يَقَعُ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَالْمَوْقُوفِ.
سَوَاءٌ الْمَوْقُوفُ وَالْمَرْفُوعُ ... وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يَدْخُلَ الْمَقْطُوعُ