قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ: وَإنَّمَا يَمْتَنِعُ اسْمُ الْمُتَّصِلِ فِي الْمَقْطُوعِ فِي حَالَةِ الإِطْلاقِ، أَمَّا مَعَ التَّقْيِيدِ فَجَائِزٌ وَاقِعٌ فِي كَلامِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: هَذَا مُتَّصِلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَوْ إِلَى الزُّهْرِيِّ، أَوْ إِلَى مَالِكٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
مُسَلْسَلٌ قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أَتَى ... مِثْلُ أَمَا وَاللهِ أَنْبَانِي اَلْفَتَى
كَذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قَائِمَا ... أَوْ بَعْدَ أَنْ حَدََّثَنِي تَبَسَّمَا
«مُسَلْسَلٌ» وَهُوَ مِنْ نُعُوتِ الإِسْنَادِ؛ حَيْثُ يَتَتَابَعُ رِجَالُ الإِسْنَادِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ إِلَى مَا يَكُونُ صِفَةً لِلرِّوَايَةِ وَالتَّحَمُّلِ، وَإِلَى مَا يَكُونُ صِفَةً لِلرُّوَاةِ، أَوْ حَالَةً لَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ صِفَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَأَحْوَالَهُمْ تَنْقَسِمُ إِلَى مَا لا يُحْصَى.
«قُلْ» فِي رَسْمِهِ: هُوَ «مَا عَلَى وَصْفٍ أَتَى» بِهِ رُوَاتُهُ، قَوْلِيًا كَانَ نَحْوَ «أَمَا وَاللهِ أَنْبَانِي» بِالدَّرْجِ «الْفَتَى» ثم يَتَتَابَعُ رِجَالُ الإِسْنَادِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، أَوْ فِعْلِيًا فَيَصِفُهُ بِقَوْلِهِ «كَذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيْهِ» أَيْ الْحَدِيثَ حَالَ كَوْنِهِ «قَائِمًا» ثُمَّ يَقُومُ كَنَحْوِ قِيَامِهِ «أو» يَصِفُهُ بِقَوْلِهِ «بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي» بِالْحَدِيثِ «تَبَسَّمَا» ثُمَّ يَتَبَسَّمُ كَنَحْوِ تَبَسُّمِهِ.
فَقَدِ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ فِي حَدِّهِ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِهِ، وَلَمْ يَسْتَوْعِبْ، وَأَوْعَبُ مِنْهُ قَوْلُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيِّ فِي الأَلْفِيَّةِ:
مُسَلْسَلُ الْحَدِيْثِ مَا تَوَارَدَا ... فِيْهِ الرُّوَاةُ وَاحِدًا فَوَاحِدَا
حَالًا لَهُمْ أوْ وَصْفًا اوْ وَصْفَ سَنَدْ ... كَقَوْلِ كُلِّهِمْ سَمِعْتُ فَاتَّحَدْ
فَمِنَ التَّسَلْسُلِ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ الْقَوْلِيَّةِ حَدِيثُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: أنَّ النَّبِيَّ قَالَ لهُ: «يَا مُعَاذُ، إنِّي أُحبُّكَ، فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» ، فَقَدْ تَسَلْسَلَ بِقَوْلِ كُلٍّ مِنْ رُوَاتِهِ: وَأَنَا أُحِبُّكَ فَقُلْ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» .
وَمِنَ التَّسَلْسُلِ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ الْفِعْلِيَّةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو الْقَاسِمِ، وَقَالَ: «خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَالشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَالْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثَاءِ، وَالنُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَالدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَآدَمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» ، فَقَدْ تَسَلْسَلَ بِتَشْبِيكِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ بِيَدِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ.
وَقَدْ يَجْتَمِعُ تَسَلْسُلُ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَخْرَجَ الْحَاكِمُ «مَعْرِفَةُ عُلُومِ الْحَدِيثِ» (ص 31) قَالَ: ثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الأَحَدِ الشَّافِعِيُّ قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعِيبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ الأَدَمُ قَالَ: ثَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «لا يَجِدُ الْعَبْدُ حَلاوَةَ الإِيْمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ ومُرِّهِ» ، قَالَ: وَقَبَضَ رَسُولُ اللهِ عَلَى لِحْيَتِهِ