الصفحة 17 من 33

وَالْمُخْتَارُ فِي تَعْرِيفِ الْعَزِيزِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا قَرَّرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ فِي «نُخْبَةِ الْفِكَرِ» : أَنَّ الْعَزِيزَ مَا رَوَاهُ اثْنَانِ فَقَطْ , وَالْمَشْهُورَ مَا رَوَاهُ ثَلاثَةٌ فَأَكْثَرُ، وَالْغَرِيبُ مَا رَوَاهُ وَاحِدُ.

قُلْتُ: وَيُفْهَمُ مِنْ إِطْلاقِهِ الرِّوَايَةَ فِي الثَّلاثَةِ الْحُدُودِ أَنَّهَا لا تَنْحَصِرُ فِي أَحَادِيثِ الأَئِمَّةِ الْمُكْثِرِينَ، بَلْ تَشْمَلُ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَيْسُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، بِخِلافِ أَبِي عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَنْدَهْ، فَإِنَّهُ خَصَّهَا بِالأَئِمَّةِ الَّذِينَ تُجْمَعُ أَحَادِيثُهُمْ.

وَقَدْ اسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَلَى النَّاظِمِ حَدَّهُ ذَا، فَقَالَ:

عَزِيْزُ مَرْوِيْ اثْنَيْنِ يا بَحّاثَهْ ... مَشْهُوْرُ مَرْوِيٍّ عَنِ الثَّلاثَهْ

وَهَذَا الاسْتِدْرَاكُ لَطِيفٌ حَسَنٌ، بِنَاءًا عَلَى الأَصَحِّ الْمُخْتَارِ مِنْ تَعْرِيفِ كُلٍّ مِنْ: الْعَزِيزِ، وَالْمَشْهُورِ.

[فَائِدَةٌ] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ: أَنَّ رِوايَةَ اثنَيْنِ عَنِ اثنَيْنِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ لا تُوجَدُ أَصْلًا.

قُلْتُ: إِنْ أرادَ: أَنَّ رِوايَةَ اثْنَيْنِ فَقَطْ عَنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ لا تُوجَدُ أَصْلًا؛ فيُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّمَ، وأَمَّا صُورَةُ الْعَزيزِ الَّتي حَرَّرْنَاهَا فمَوْجودَةٌ بأَنْ لا يَرْوِيَهُ أَقَلُّ مِن اثْنَيْنِ عَنْ أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ. مِثَالُهُ: مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَالبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ... » الْحَدِيثَ. فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ: قَتَادَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، وَرَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ: شُعْبَةُ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَعَبْدُ الْوَارِثِ، وَرَوَاهُ عَنْ كُلٍّ جَمَاعَةٌ اهـ.

وَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ قَوِيٌّ مُحَرَّرٌ بِنَاءًا عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي حَدِّ الْحَدِيثِ الْعَزِيزِ، لأَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا رَوَاهُ فِي بَعْضِ طَبَقَاتِهِ رَاوِيَانِ فَقَطْ، ثُمَّ رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ عَزِيزًا، إِذِ الأَقْلُّ يَقْضِي عَلَى الأَكْثَرِ.

[فَائِدَةٌ أُخْرَى] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: ولَيْسَ شَرْطًا للصَّحيحِ خِلافًا لِمَنْ زعَمَهُ، وَهُوَ أَبُو عَليٍّ الْجُبَّائِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِلَيْهِ يُومِئُ كَلامُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللهِ فِي «عُلُومِ الْحَدِيثِ» حَيْثُ قَالَ: الصَّحِيحُ أَنْ يَرْوِيَهُ الصَّحَابِيُّ الزَّائِلُ عَنْهُ اسْمُ الْجَهَالَةِ؛ بِأََنْ يَكُونَ لَهُ رَاوِيَانِ، ثُمَّ يَتَدَاوَلَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ إِلَى وَقْتِنِا كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.

وصَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «شَرْحِ الْبُخَارِيِّ» بِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ الْبُخَارِيِّ، وَأََجَابَ عَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِجَوَابٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: حديثُ «إنما الأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ» فَرْدٌ لم يَرْوِهِ عَنْ عُمرَ إِلاَّ عَلْقَمَةُ قالَ: قُلْنا: قَدْ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فَلَوْلا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ لأنْكَرُوهُ. كذا قالَ!.

وَتُعُقِّبَ عَلَيْهِ: بِأَنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِم سَكَتُوا عَنْهُ أَنْ يَكُونُوا سَمِعُوهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ هَذَا لَوْ سُلِّمَ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مُنِعَ فِي تَفَرُّدِ عَلْقَمَةَ عَنْهُ، ثُمَّ تَفَرُّدِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ بِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ، ثُمَّ تَفَرُّدِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ بِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْرُوفُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ. وَكَذَا لا نُسَلِّمُ جَوابَهُ فِي غَيْرِ حَدِيثِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُ اهـ.

.... مَشْهُورُ مَرْوِيّ فَوْقَ مَا ثَلاَثَةْ

«مَشْهُورُ مَرْوِيّ فَوْقَ مَا» زَائِدَةٌ «ثَلاثَةْ» مِنَ الرُّوَاةِ كَأَرْبَعَةٍ فَصَاعِدًا، وَسُمِّيَ مَشْهُورًا ; لِوُضُوحِ أَمْرِهِ، يُقَالُ: شَهَرْتُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت