فهرس الكتاب
الأَمْرَ أَشْهَرُهُ شَهْرًا، وَشُهْرَةً فَاشْتَهَرَ.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، فَالَّذِي فِي «النُّخْبَةِ» وَغَيْرِهَا: هُوَ مَا لَهُ طُرُقٌ مَحْصُورَةٌ بِأَكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ، سُمِّي بِهِ لِشُهْرَتِهِ، وَوُضُوحِ أَمْرَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يُوهِمُ كَلامُ ابْنِ مَنْدَهْ السَّالِفُ ذِكْرُهُ فِي حَدِّ الْعَزِيزِ مَا قَالَهُ النَّاظِمُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْغَرِيبُ مِنَ الْحَدِيثِ كَحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَأَشْبَاهِهِمَا مِنَ الأَئِمَّةِ مِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُمْ، إِذَا انْفَرَدَ الرَّجُلُ عَنْهُمْ بِالْحَدِيثِ يُسَمَّى غَرِيبًا، فَإِذَا رَوَى عَنْهُمْ رَجُلانِ وَثَلاثَةٌ، وَاشْتَرَكُوا فِي حَدِيثٍ يُسَمَّى عَزِيزًا، فَإِذَا رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْهُمْ حَدِيثًا سُمِّيَ مَشْهُورًا!.
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيْحٍ فِيمَا تَوَهَّمَهُ، فَقَدْ يَكُونُ مُرَادُ ابْنِ مَنْدَهْ بِالْجَمَاعَةِ فِي كَلامِهِ الثَّلاثَةَ فَمَا فَوْقَ.
قَالَ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ فِي «فَتْحِ الْمُغِيثِ» (4/ 10) : وَبِمُقْتَضَى مَا عَرَّفَ بِهِ الْعَزِيزَ أَيْضًا يَجْتَمِعَانِ فِيمَا إِذَا رَوَاهُ ثَلاثَةٌ، وَيَخْتَصُّ الْعَزِيزُ بِاثْنَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّلاثَةِ. وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِمَا عَرَّفَهُ بِهِ شَيْخُنَا فَلا يَجْتَمِعَانِ.
ثُمَّ إِنَّهُ لا انْحِصَارَ لَهُمَا أَيْضًا فِي كَوْنِ الْمُنْفَرِدِ عَنْهُ مِمَّنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ، بَلْ يَشْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَا لا يَكُونُ رَاوِيهِ كَذَلِكَ، وَكَذَا مَا يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّاوِيَانِ فِي الْعَزِيزِ عَنْ رَاوِيَيْنِ، وَالرُّوَاةُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْ ثَلاثَةٍ أَوْ عَنِ اثْنَيْنِ، وَمَا تَكُونُ الشُّهْرَةُ فِي غَالِبِ طِبَاقِهِ، بِحَيْثُ يَحْسُنُ إِطْلاقُهُمَا حِينَئِذٍ دُونَهَا فِي بَعْضِ طِبَاقِهِ، كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي الْعَزِيزِ إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَاعْلَمْهُ.
وَسُمِّيَ مَشْهُورًا ; لِوُضُوحِ أَمْرِهِ، يُقَالُ: شَهَرْتُ الأَمْرَ أَشْهَرُهُ شَهْرًا وَشُهْرَةً فَاشْتَهَرَ.
وَقَالَ: ثُمَّ الْمَشْهُورُ هُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لانْتِشَارِهِ وَشِيَاعِهِ فِي النَّاسِ، مِنْ فَاضَ الْمَاءُ يَفِيضُ فَيْضًا وَفَيْضُوضَةً ; إِذَا كَثُرَ حَتَّى سَالَ عَلَى ضَفَّةِ الْوَادِي.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ يَكُونُ فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ، يَعْنِي وَفِيمَا بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، وَالْمَشْهُورُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ مَا كَانَ أَوَّلُهُ مَنْقُولًا عَنِ الْوَاحِدِ ; كَحَدِيثِ الأَعْمَالِ، وَإِنِ انْتُقِدَ ابْنُ الصَّلاحِ فِي التَّمْثِيلِ بِهِ، وَلا انْتِقَادَ بِالنَّظَرِ لِمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي تَعْرِيفِهِ ; إِذِ الشُّهْرَةُ فِيهِ نِسْبِيَّةٌ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيِّ الْمُلَقَّبِ شَيْخَ الإِسْلَامِ أَنَّهُ كَتَبَهُ عَنْ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَاعْتَنَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَنْدَهْ بِجَمْعِهِمْ، وَتَرْتِيبِهِمْ بِحَيْثُ جَمَعَ نَحْوَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
[فَائِدَةٌ] قَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ عَزِيزًا مَشْهُورًا، كَحَدِيثِ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، فَقَدْ رَوَاهُ اثْنَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ: حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَاشْتَهَرَ وَاسْتَفَاضَ وَشَاعَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ عَنْهُ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَالأَعْرَجُ، وَطَاوسٌ، وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَأَبُو حَازِمٍ الأَشْجَعِيُّ، وَأَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ آدَمَ مَوْلَى أُمِّ بُرْثُنٍ، وَزِيَادٌ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ.
[فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ] وَصْفُ الْحَدِيثِ بِالْعَزِيزِ، أَوْ الْمَشْهُورِ، أَوْ الْغَرِيبِ لا يُنَافِي الصِّحَّةِ وَلا الضَّعْفِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنَ الثَّلاثَةِ صَحِيحًا، أَوْ حَسَنًا، وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا، لَكِنِ الضَّعْفَ فِي الْغَرِيبِ أَكْثَرُ.
فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ كَحَدِيثِ: «إنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا» ، وَحَدِيثِ: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» .
وَمِنَ الْمَشْهُورِ الَّذِي لَمْ يَصِحَّ، مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَوْضُوعَاتِهِ: أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ تَدُورُ عَنْ رَسُولِ اللهِ