الصفحة 19 من 33

فِي الأَسْوَاقِ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ: «مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آذَارَ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ» ، و «نَحْرُكُمْ يَوْمُ صَوْمِكُمْ» ، و «مَنْ آذَى ذِمِّيًّا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، و «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» .

وَنَظْمَهَا الْعَلَّامَّةِ أَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ، فَقَالَ:

أَرْبَعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ شَاعَتْ وَلا ... أَصْلَ لَهَا مِنَ الْحَدِيثِ الْوَاصِلِ

خُرُوجُ آذَارَ وَيَوْمُ صَوْمِكُمْ ... ثُمَّ أَذَى الذِّمِّيِّ وَرَدُّ السَّائِلِ

وَالْمَشْهُورُ الضَّعِيفُ كَثِيْرٌ.

[فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ] قَسَّمُوا الْمَشْهُورَ إِلَى:

[1] الْمَشْهُورِ الْمُطْلَقِ بَيْنِ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ كَحَدِيثِ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» .

[2] الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ خَاصَّةً؛ كَحَدِيثِ أَنَسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ» ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ، وَعَاصِمٌ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو مِجْلَزٍ لاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، ثُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، وَرَوَاهُ عَنِ التَّيْمِيِّ جَمَاعَةٌ، بِحَيْثُ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُحَدِّثِينَ خَاصَّةً؛ أَمَّا غَيْرُهُمْ فَرُبَّمَا اسْتَغْرَبَهُ، لأَنَّ الْغَالِبَ رِوَايَةُ التَّيْمِيِّ عَنْ أَنَسٍ بِلا وَاسِطَةٍٍ، وَهَذَا بِوَاسِطَةٍ.

وَيَنْقَسِمُ الْمَشْهُورُ أَيْضًا إِلَى مُتَوَاتِرٍ وَغَيْرِهِ، فَكُلُّ مُتَوَاتِرٍ مَشْهُورٌ وَلا عَكْسَ، وَإِنْ غَلَبَ الْمَشْهُورُ فِي غَيْرِ الْمُتَوَاتِرِ؛ وَهُوَ مَا رَوَاهُ جَمْعٌ عَنْ جَمْعٍ بِلا حَصْرِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَلا صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، بَلْ بِحَيْثُ يَبْلُغُونَ حَدًّا تُحِيلُ الْعَادَةُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ؛ كَحَدِيثِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، فَقَدْ رَوَاهُ مِنَ الصَّحَابَةَ مِائَةٌ وَاثْنَانِ، مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ، وَكَحَدِيثِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَيْنِ، فَقَدْ رَوَاهُ سَبْعُونَ صَحَابِيًّا مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ أَيْضًا، وَنَصَّ عَلَى تَوَاتُرِهِ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَكَحَدِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلاةِ، فَقَدْ رَوَاهُ نَحْوُ خَمْسِينَ صَحَابِيًّا مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ أَيْضًا، وَنَصَّ عَلَى تَوَاتُرِهِ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، فَدَعْوَى ابْنِ الصَّلاحِ عِزَّتَهُ وَغَيْرِهِ عَدَمَهُ مَرْدُودٌ بِهَذِهِ الأَمْثِلَةِ وَغَيْرِهَا.

مُعَنْعَنٌ كَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ كَرَمْ ...

«مُعَنْعَنٌ» وَهُوَ الإِسْنَادُ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ: فُلانٌ عَنْ فُلانٍ، دُونَ بَيَانٍ لِلتَّحْدِيثِ، أَوُ الإِخْبَارِ، أَوُ السَّمَاعِ، وَإِلَيْهِ الإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: «كَعَنْ سَعِيدٍ» و «عَنْ كَرَمْ» فَاسْتَغْنَى بِالْمِثَالِ عَنِ الْحَدِّ.

وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ الإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ، فَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قَبِيلِ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاوِيهِ مُدَلِّسًا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ اتِّصَالُهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَاسْتَدَلُّوا لَهُ بِأَنَّ «عَنْ» لا تُشْعِرُ بِشَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّحَمُّلِ.

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ أُضِيفَتِ الْعَنْعَنَةُ إِلَيْهِمْ قَدْ ثَبَتَتْ مُلاقَاةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، مَعَ بَرَاءَتِهِمْ مِنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ، فَحِينَئِذٍ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِ الِاتِّصَالِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت