فهرس الكتاب
وَغَيْرِهِمْ، وَأَوْدَعَهُ الْمُشْتَرِطُونَ لِلصَّحِيحِ فِي تَصَانِيفِهِمْ فِيهِ وَقَبِلُوهُ، وَكَادَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَافِظُ يَدَّعِي إِجْمَاعَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ نَقَلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَاكِمُ، وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ الْمُقْرِئُ إِجْمَاعَ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَاكِمُ: الأَحَادِيثُ الْمُعَنْعَنَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَدْلِيسٌ مُتَّصِلَةٌ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ النَّقْلِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ - يَعْنِي مِمَّنْ لَمْ يَظْهَرْ تَدْلِيسُهُ - سَمَاعٌ مِنْ إِنْسَانٍ، فَحَدَّثَ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى السَّمَاعِ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ مَا حَكَاهُ، وَكُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ لِقَاءُ إِنْسَانٍ فَحَدَّثَ عَنْهُ، فَحُكْمُهُ هَذَا الْحُكْمُ.
وَكَذَا قَالَ الْخَطِيبُ: أَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُحَدِّثِ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ: فُلانٌ عَنْ فُلانٍ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ، إِذَا كَانَ لَقِيَهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ.
قَالَ أبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ: وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، لَكَانَ بِإِطْلاقِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُدَلِّسًا، وَالظَّاهِرُ السَّلامَةُ مِنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ، وَالْكَلامُ فِيمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالتَّدْلِيسِ.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِاشْتِرَاطِ ثُبُوتِ اللِّقَاءِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَالْبُخَارِيُّ، وَجَعَلاهُ شَرْطًا فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ، وَإِنْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ إِنَّمَا الْتَزَمَ ذَلِكَ فِي جَامِعِهِ فَقَطْ، وَكَذَا عَزَا اللِّقَاءَ لِلْمُحَقِّقِينَ النَّوَوِيُّ، بَلْ هُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الإمام الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا الإمَامُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْحُكْمِ بِالاتِّصَالِ اجْتِمَاعًا بَيْنَهُمَا، بَلْ أَنْكَرَ اشْتِرَاطَ ذلك فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يُسْبَقْ قَائِلُهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الشَّائِعَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ قَدِيْمًا وَحَدِيثًا مَا ذَهَبَ هُوَ إِلَيْهِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا أَوْ تَشَافَهَا، يَعْنِي تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالثِّقَةِ.
قَالَ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ: وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ اللِّقَاءِ وَالاجْتِمَاعِ فِيمَا يَظْهَرُ مَا عُلِمَ مِنْ تَجْوِيزِ أَهْلِ ذَاكَ الْعَصْرِ لِلإِرْسَالِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُدَلِّسًا، وَحَدَّثَ بِالْعَنْعَنَةِ عَنْ بَعْضِ مَنْ عَاصَرَهُ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُدَلِّسٍ فَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَ عَنْهُ ; لِشُيُوعِ الإِرْسَالِ بَيْنَهُمْ، فَاشْتَرَطُوا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ لَقِيَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ، لِتُحْمَلَ عَنْعَنَتُهُ عَلَى السَّمَاعِ ; لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ حِينَئِذٍ عَلَى السَّمَاعِ لَكَانَ مُدَلِّسًا، وَالْفَرْضُ السَّلامَةُ مِنَ التَّدْلِيسِ، فَبَانَ رُجْحَانُ اشْتِرَاطِهِ اهـ.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ، فَاشْتَرَطَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ طُولَ الصُّحْبَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ كَوْنَهُ مَعْرُوفًا بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَالْقَابِسِيُّ بِأَنْ يُدْرِكَهُ إِدْرَاكًا بَيِّنًا.
[فَائِدَةٌ] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ «النُّكَتُ عَلَى ابْنِ الصَّلاحِ» : وَلِهَذِهِ اللَّفْظَةِ - يَعْنِي «عَنْ» - حَالَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ خَفِيَّةٌ جِدًّا قَلَّ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهَا، بَلْ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّهَا تَرِدُ وَلا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ بِاتِّصَالٍ، وَلا انْقِطَاعٍ، بَلْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهَا سِيَاقُ قِصَّةٍ سَوَاءُ أَدْرَكَهَا النَّاقِلُ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا، وَيَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، مِثَالُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيْخِهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ أَنَّهُ خَرَجَ عَلَيْهِ خَوَارِجٌ فَقَتَلُوهُ.
قَالَ: فَلَمْ يُرِدْ أَبُو إِسْحَاقَ بِقَوْلِهِ: عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا فِيهِ شَيْءٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيْرُهُ: عَنْ قِصَّةِ أَبِي الأَحْوَصِ أَوْ عَنْ شَأْنِ أَبِي الأَحْوَصِ أو ما أشبه ذلك، لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَدَّثَهُ بِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ.
[فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ] اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الرَّاوِي: أَنَّ فُلانًا قَالَ كَذَا؛ نحو: مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ كَذَا،