فهرس الكتاب
هَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ «عَنْ» فِي الْحَمْلِ عَلَى الاتِّصَالِ، إِذَا ثَبَتَ التَّلَاقِي بَيْنَهُمَا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ الانْقِطَاعُ، مِثَالُهُ:
فَنَقَلُوا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى: عَنْ فُلانٍ وَأَنَّ فُلانًا سَوَاءً، وَعَكْسَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُمَا لَيْسَا سَوَاءً.
وَحَكَى أبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ «عَنْ» و «أَنَّ» سَوَاءٌ، وَأَنَّهُ لا اعْتِبَارَ بِالْحُرُوفِ وَالأَلْفَاظِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاللِّقَاءِ وَالْمُجَالَسَةِ، وَالسَّمَاعِ وَالْمُشَاهَدَةِ، يَعْنِي مَعَ السَّلامَةِ مِنَ التَّدْلِيسِ، فَإِذَا كَانَ سَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ صَحِيحًا كَانَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ بِأَيِّ لَفْظٍ وَرَدَ مَحْمُولًا عَلَى الِاتِّصَالِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ فِيهِ الانْقِطَاعُ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْدِيْجِيِّ: أَنَّ حَرْفَ «أَنَّ» مَحْمُولٌ عَلَى الانْقِطَاعِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ السَّمَاعُ فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ بِعَيْنِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: عِنْدِي لا مَعْنَى لِهَذَا، لإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الإِسْنَادَ الْمُتَّصِلَ بِالصَّحَابِيِّ سَوَاءٌ فِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، أَوْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ، أَوْ عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ، أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
.... وَمُبْهَمٌ مَا فِيهِ رَاوٍ لَمْ يُسَمّْ
«وَمُبْهَمٌ مَا» مِنَ الإِسْنَادِ أَوْ الْمَتْنِ «فِيهِ رَاوٍ» رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً «لم يُسَمّْ» بِالْجَزْمِ، أَيْ لَمْ يُسَمَّ ذَلِكَ الرَّاوِي، إِمَّا اخْتِصَارًا أَوْ شَكًّا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ: وَفَائِدَةُ الْبَحْثِ عَنْهُ زَوَالُ الْجَهَالَةِ الَّتِي يَرِدُ الْخَبَرُ مَعَهَا، حَيْثُ يَكُونُ الإِبْهَامُ فِي أَصْلِ الإِسْنَادِ، كَأَنْ يُقَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، أَوْ شَيْخٌ، أَوْ فُلانٌ، أَوْ بَعْضُهُمْ؛ لأَنَّ شَرْطَ قَبُولِ الْخَبَرِ كَمَا عُلِمَ عَدَالَةُ رَاوِيهِ، وَمَنْ أُبْهِمَ اسْمُهُ لا تُعْرَفُ عَيْنُهُ، فَكَيْفَ عَدَالَتُهُ؟!، بَلْ وَلَوْ فُرِضَ تَعْدِيلُ الرَّاوِي عَنْهُ لَهُ مَعَ إِبْهَامِهِ إِيَّاهُ لا يَكْفِي عَلَى الأَصَحِّ اهـ.
قُلْتُ: وَهَذَا حُكْمُ الْمُبْهَمِ فِي الإِسْنَادِ، وَمَا عَدَاهُ مِنَ الْمُبْهَمِ فِي أَصْلِ الْمَتْنِ، فقيل: إِنَّهُ قَلِيلُ الْجَدْوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ مِنَ الْحَدِيثِ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ يَتَحَلَّى بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، كَذَا قَالَ أَبُو الْفِدَاءِ ابْنُ كَثِيْرٍ الدِّمَشْقِيُّ.
وَتَعَقَّبَهُ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ: بَلْ مِنْ فَوَائِدِهِ أَنْ يَكُونَ الْمُبْهَمُ سَائِلًا عَنْ حُكْمٍ عَارَضَهُ حَدِيثٌ آخَرُ، فَيُسْتَفَادُ بِمَعْرِفَتِهِ النَّسْخَ وَعَدَمَهُ؛ إِنْ عُرِفَ زَمَنُ إِسْلَامِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ قَدْ شَاهَدَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ اهـ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبْهَمِ فِي الْمَتْنِ: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِىَّ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ؟، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ «خُذِى فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ، فَتَطَهَّرِى بِهَا» . فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِى الأَحْوَصِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ شَكَلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَغْتَسِلُ إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ؟، وَسَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ.