الصفحة 23 من 33

وَكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُهُ عَلاَ ...

«وَكُلُّ مَا» أَيْ الإِسْنَادِ الَّذِي «قَلَّتْ رِجَالُهُ» فِي عَدَدِهَا مَعَ بَقَاءِ اتِّصَالِهِ «عَلا» أَيْ عُرِفَ عِنْدَهُمْ بِالْعَالِي.

وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ:

[الأَوَّلُ] الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ الاتِّصَالُ إِلَى النَّبِيِّ بِعَدَدٍ أَقَلَّ مِنَ الرُّوَاةِ؛ نَحْوُ ثُلاثِيَّاتِ أَحْمَدَ وَالدَّارِمِيِّ وَالْبُخَارِيِّ، فَهِيَ الْغَايَةُ فِي الْعُلُوِّ مَعَ الصِّحَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْعَالِي الصِّحَّةَ فَلا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلا سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ كَذَّابٌ كَمَنِ ادَّعَى سَمَاعًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هُدْبَةَ، وَدِينَارِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَيَغْنَمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ قَنْبَرٍ، وَأَبِي الدُّنْيَا الأَشَجِّ الَّذِي حَدَّثَ بَعْدَ الثَّلَثِمِائَةِ، وَادَّعَى سَمَاعًا مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَافْتَضَحَ أَمْرُهُ، وَكَذَّبَهُ النُّقَّادُ.

وَمِثَالُ طَلَبِ الْعُلُوِّ: مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (205) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّى رَجُلًا، فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِى سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِى كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ، قُلْنَا: لِمَنْ؟، قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» ، فَرِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ أَعْلَى دَرَجَتَيْنِ مِنْ رِوَايَتِهِ نَفْسَ الْحَدِيثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءٍ.

وإِنَّما رَغَبُوا فِي الْعُلُوِّ؛ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَى الصِّحَّةِ، وَقِلَّةِ الْخَطَأِ؛ فَإِنْ فَاتَ الأَمْرَانِ، كَأَنْ يَكُونَ رِجَالُ النَّازِلِ أَوْثَقَ، أَوْ أَحْفَظَ، أَوْ أَفْقَهَ، أَوْ الاتِّصَالُ فِيهِ أَظْهَرَ، فَالنُّزُولُ حِينَئِذٍ أَوْلَى وَأَفْضَلُ.

لِذَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: حَدِيثٌ بَعِيدُ الإِسْنَادِ صَحِيحٌ، خَيْرٌ مِنْ قَرِيبِ الإِسْنَادِ سَقِيمٌ.

[الثَّانِي] الْعُلُوُّ النسبيُّ، وَهُوَ الاتِّصَالُ بِعَدَدٍ أَقَلَّ إِلَى إِمَامٍ ذِي صِفَةٍ عَلِيَّةٍ كَالْحِفْظِ وَالضَّبْطِ والفقه وَنَحْوِهَا، كَشُعْبَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَإِنْ كَثُرَ الْعَدَدُ مِنْ ذَلِكَ الإِمَامِ إِلَى النَّبِيِّ.

[الثَّالِثُ] الْعُلُوُّ الْمُقَيَّدُ بِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ الأَرْبَعَةِ، إِذْ الرَّاوِي لَوْ رَوَى حَدِيثًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهَا لَوَقَعَ أَعْلَى مِمَّا لَوْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهَا، وَقَدْ يَكُونُ عَالِيًا مُطْلَقًا أَيْضًا، كَحَدِيثِ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «كَانَ عَلَى مُوسَى يَوْمَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ كِسَاءُ صُوفٍ، وَجُبَّةُ صُوفٍ » الْحَدِيثَ، فَلَوْ رُوِيَ مِنْ جُزْءِ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ خَلِيفَةَ يَكُونَ أَعْلَى مِمَّا لَوُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ عَنْ خَلَفٍ. وَفِيهِ أَيْضًا اجْتِمَاعُ الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ مَعَ عُلُوِّهِ نِسْبِيًّا؛ إِذْ لا يَقَعُ هَذَا الْحَدِيثُ الْيَوْمَ أَعْلَى مِنْ رِوَايَتِهِ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ.

وَسَمَّاهُ التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: عُلُوُّ التَّنْزِيلِ، لأَنَّهُ يَكُونُ نَازِلًا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ، وَعَالِيًا بِالنِّسْبَةِ لِمُصَنِّفِ الْكِتَابِ.

وَفِي هَذَا الْقِسْمِ تَقَعُ الْمُوَافَقَاتُ، وَالأَبْدَالُ، وَالْمُسَاوَاةُ، وَالْمُصَافَحَةُ.

فَالْمُوَافَقَةٌ الْوُصُولُ إِلَى شَيْخِ أَحَدِ الْمُصَنِّفِينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِهِ، كَحَدِيثٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ، فَنُخْرِجُهُ نَحْنُ مِنْ جُزْءِ الأَنْصَارِيِّ الْمَشْهُورِ، وَذَلِكَ مَعَ عُلُوٍّ بِدَرَجَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِأكْثَرَ عَمَّا لَوْ رَوَيْنَاهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت