الصفحة 25 من 33

ضِمَامٍ: «آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ» إِخْبَارٌ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ عِيَاضٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ حَضَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ مُسْتَثْبِتًا مِنَ الرَّسُولِ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «فَإِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ» ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: «أَتَتْنَا كُتُبُكَ، وَأَتَتْنَا رُسُلُكَ» .

أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: «آمَنْتُ» إِنْشَاءٌ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ أَبِي دَاوُدَ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي بَابٍ مَا جَاءَ فِي الْمُشْرِكِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُتَمَسِّكًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: «زَعَمَ» ; فَإِنَّ الزَّعْمَ الْقَوْلُ الَّذِي لا يُوثَقُ بِهِ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ، فَلَا ; فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَكُونُ مَجِيئُهُ وَهُوَ شَاكٌّ لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَأَرْسَلَهُ قَوْمُهُ لِيَسْأَلَ لَهُمْ.

قَالَ شَيْخُنَا: وَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا: فَالزَّعْمُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ فَصِيحِ شَيْخِهِ ثَعْلَبٍ، وَأَكْثَرَ سِيبَوَيْهَ مِنْ قَوْلِهِ: زَعَمَ الْخَلِيلُ فِي مَقَامِ الاحْتِجَاجِ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلَوْ كَانَ إِنْشَاءً لَكَانَ طَلَبَ مُعْجِزَةً تُوجِبُ لَهُ التَّصْدِيقَ، عَلَى أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ إِيْمَانِ الْمُقَلِّدِ لِلرَّسُولِ، وَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ مُعْجِزَةٌ اهـ.

[فَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ] قَالَ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ: الْعُلُوُّ يُبْعِدُ الإِسْنَادَ مِنَ الْخَلَلِ ; لأَنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الْخَلَلُ مِنْ جِهَتِهِ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، فَفِي قِلَّتِهِمْ قِلَّةُ جِهَاتِ الْخَلَلِ، وَفِي كَثْرَتِهِمْ كَثْرَةُ جِهَاتِ الْخَلَلِ، قَالَ: وَهَذَا جَلِيٌّ وَاضِحٌ.

وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ: لا أَعْلَمُ وَجْهًا جَيِّدًا لِتَرْجِيحِ الْعُلُوِّ إِلاَّ أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ وَقِلَّةِ الْخَطَأِ ; فَإِنَّ الطَّالِبِينَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الإِتْقَانِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الإِتْقَانِ، فَإِذَا كَثُرَتِ الْوَسَائِطُ، وَوَقَعَ مِنْ كُلِّ وَاسِطَةٍ تَسَاهُلٌ مَا، كَثُرَ الْخَطَأُ وَالزَّلَلُ، وَإِذَا قَلَّتِ الْوَسَائِطُ قَلَّ اهـ.

[فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ] قَالَ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ «فَتْحُ الْمُغِيثِ» (3/ 360) : وَالصِّحَّةُ بِلا شَكٍّ مَعَ النُّزُولِ وَهِيَ الْعُلُوُّ الْمَعْنَوِيُّ عِنْدَ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ، وَالْعَالِي عِنْدَ فَقْدِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ عُلُوٌّ صُورِيٌّ، فَكَيْفَ عِنْدَ فَقْدِ التَّوْثِيقِ؟!، وَإِلَيْهِ أَشَارَ السِّلَفِيُّ حَيْثُ قَالَ: الأَصْلُ الأَخْذُ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَنُزُولُهُمْ أَوْلَى مِنْ عُلُوِّ الْجَهَلَةِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ النَّقَلَةِ، وَالنَّازِلُ حِينَئِذٍ هُوَ الْعَالِي فِي الْمَعْنَى عِنْدَ النَّظَرِ وَالتَّحْقِيقِ.

وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْجُنَيْدِ: قُلْتُ لِابْنِ مَعِينٍ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: أَكْتُبُ جَامِعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ فُلَانٍ أَوْ فُلانٍ، يَعْنِي عَنْهُ، أَوْ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، يَعْنِي عَنْهُ؟، فَقَالَ: عَنْ رَجُلٍ عَنْ رَجُلٍ حَتَّى عَدَّ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً عَنِ الْمُعَافَى أَحَبُّ إِلَيَّ.

وَرَوَى السِّلَفِيُّ، وَكَذَا الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ: الْحَدِيثُ بِنُزُولٍ عَنْ ثَبْتٍ خَيْرٌ مِنْ عُلُوٍّ غَيْرِ ثَبْتٍ.

قَالَ السِّلَفِيُّ: وَأَنْشَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زُفَرَ فِي مَعْنَاهُ:

عِلْمُ النُّزُولِ اكْتُبُوهُ فَهْوَ يَنْفَعُكُمْ ... وَتَرْكُكُمْ ذَاكُمْ ضَرْبٌ مِنَ الْعَنَتِ

إِنَّ النُّزُولَ إِذَا مَا كَانَ عَنْ ثَبْتٍ ... أَعْلَى لَكُمْ مِنْ عُلُوٍّ غَيْرِ ذِي ثَبْتِ

وَأَنْشَدَ السِّلَفِيُّ:

لَيْسَ حُسْنُ الْحَدِيثِ قُرْبَ رِجَالٍ ... عِنْدَ أَرْبَابِ عِلْمِهِ النُقَّادِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت