فهرس الكتاب
مَنْ كَانَ جُلُّ رِوَايَتِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ؛ وَهَذَا هُوَ الْحَدُّ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَبِهِ قَطَعَ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ.
وَقَيَّدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا سَمِعَهُ التَّابِعِيُّ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ؛ لِيَخْرُجَ مَنْ لَقِيَهُ كَافِرًا فَسَمِعَ مِنْهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَحَدَّثَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ، كَالتَّنُّوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ ; فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ تَابِعِيًّا مَحْكُومٌ لِمَا سَمِعَهُ بِالاتِّصَالِ لا الإِرْسَالِ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ، وَكَأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهُ لِنُدُورِهِ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّابِعِيِّ مُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ ; كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا، لأَنَّ رِوَايَتَهُمْ غَالِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ، وَشَمِلَ إِطْلاقُهُ الْكَبِيرَ مِنْهُمْ، وَهُوَ الَّذِي جُلُّ رِوَايَتِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ الْعَدَدَ الْيَسِيرَ، أَوْ لَقِيَ جَمَاعَةً، إِلاَّ أَنَّ جُلَّ رِوَايَتِهِ عَنِ التَّابِعِينَ.
وَقِيلَ: الْمُرْسَلُ مَا رَفَعَهُ التَّابِعِيُّ الْكَبِيْرُ، وَأَمَّا مَرْفُوعُ صِغَارِ التَّابِعِينَ فَلا يُسَمَّى مُرْسَلًا بَلْ مُنْقَطِعًا، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لأَنَّ أَكْثَرَ رِوَايَتِهِمْ عَنِ التَّابِعِينَ، وَلَمْ يَلْقَوْا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلاَّ الْوَاحِدَ وَالاثْنَيْنِ.
وَقِيلَ: الْمُرْسَلُ مَا سَقَطَ مِنْ سَنَدِهِ رَاوٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرُ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ أَمْ بَيْنَهُمَا، فَيَشْمَلُ الْمُنْقَطِعَ، وَالْمُعْضَلَ، وَالْمُعَلَّقَ؛ وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ أَبُو عَمْرٍو ابْنُ الصَّلاحِ وَالنَّوَوِيُّ عَنِ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ أبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ.
فَإِنَّهُ قَالَ فِي «الْكِفَايَةِ» : لا خِلافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ إِرْسَالَ الْحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ بِمُدَلَّسٍ، هُوَ رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ، كَالتَّابِعِينَ عَنِ النَّبِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَمَالِكٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ، كَالثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَالْحُكْمُ فِيهِ وَكَذَا فِيمَنْ لَقِيَ مَنْ أَضَافَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ اهـ.
قَالَ الشَّمْسُ السَّخَاوِيُّ «فَتْحُ الْمُغِيثِ» (1/ 172) : وَحَاصِلُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الإِرْسَالِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ، وَالتَّدْلِيسِ فِي الْحُكْمِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَطَّانِ فِي «بَيَانِ الْوَهْمِ وَالإِيهَامِ» : الإِرْسَالُ رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الصَّلاحِ عَنِ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ، بَلْ وَعَنِ الْخَطِيبِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْمَعْرُوفُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ - أَيِ: الْمُنْقَطِعَ وَالْمُعْضَلَ - يُسَمَّى مُرْسَلًا.
وَمِمَّنْ أَطْلَقَ الْمُرْسَلَ عَلَى الْمُنْقَطِعِ مِنْ أَئِمَّتِنَا أَبُو زُرْعَةَ، وَأَبُو حَاتِمٍ، ثُمَّ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ، بَلْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِكَوْنِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ.
وَكَذَا صَرَّحَ هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثٍ لِعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِكَوْنِهِ لَمْ يُدْرِكِ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثٍ لابْنِ سِيرِينَ عَنْ حَكِيْمِ بْنِ حِزَامٍ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ حَكِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ فِي آخَرِينَ اهـ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ:
[الأَوَّلُ] ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَتْبَاعُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ إِلَى