الصفحة 28 من 33

الاحْتِجَاجِ بِهِ فِي الأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، وَاُحْتُجَّ لَهُمْ بِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَى عَصْرِ التَّابِعِينَ وَشَهِدَ لَهُ بِالْخَيْرِيَّةِ، ثُمَّ لِلْقَرْنَيْنِ بَعْدَ قَرْنِ الصَّحَابَةِ، وَبِأَنَّ تَعَالِيقَ الْبُخَارِيِّ الْمَجْزُومَةَ صَحِيحَةٌ.

وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلاَّ فَقَدْ وُجِدَ فِي الْقَرْنَيْنِ مَنْ هُوَ مُتَّصِفٌ بِالصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ، وَبِأَنَّ تَعَالِيقَ الْبُخَارِيِّ عُلِمَتْ صِحَّتُهَا مِنْ شَرْطِهِ فِي الرِّجَالِ وَتَقَيُّدِهِ بِالصِّحَّةِ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ كما فِي «فَتْحُ الْمُغِيثِ» (1/ 181) : إِنَّ هَذِهِ وَاللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ لِلْمُحْتَجِّينَ بِالْمُرْسَلِ ; إِذْ بِدْعَةُ الْخَوَارِجِ كَانَتْ فِي مَبْدَأِ الإِسْلامِ، وَالصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ، ثُمَّ فِي عَصْرِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهَؤُلاءِ كَانُوا إِذَا اسْتَحْسَنُوا أَمْرًا، جَعَلُوهُ حَدِيثًا وَأَشَاعُوهُ، فَرُبَّمَا سَمِعَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فَحَدَّثَ بِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ ; تَحْسِينًا لِلظَّنِّ، فَيَحْمِلُهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَيَجِيءُ الَّذِي يَحْتَجُّ بِالْمَقَاطِيعِ، فَيَحْتَجُّ بِهِ مَعَ كَوْنِ أَصْلِهِ مَا ذَكَرْتُ، فَلَا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ.

وَأَمَّا الإِلْزَامُ بِتَعَالِيقِ الْبُخَارِيِّ، فَهُوَ قَدْ عُلِمَ شَرْطُهُ فِي الرِّجَالِ، وَتَقَيُّدُهُ بِالصِّحَّةِ، بِخِلَافِ التَّابِعِينَ، وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ، فَالتَّعْدِيلُ الْمُحَقَّقُ فِي الْمُبْهَمِ لا يَكْفِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سَادِسِ فُرُوعِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، فَكَيْفَ بِاسْتِرْسَالٍ إِلَى هَذَا الْحَدِّ اهـ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا - يَعْنِي الْمُحْتَجُّونَ بِهِ - أَهُوَ أَعْلَى مِنَ الْمُسْنَدِ، أَوْ دُونَهُ، أَوْ مِثْلُهُ؟.

وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلافِ عِنْدَ التَّعَارُضِ.

قَالَ السَّخَاوِيُّ: وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ كَالطَّحَاوِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ تَقْدِيْمُ الْمَسْنَدِ.

قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالشُّهُودِ، يَكُونُ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ حَالًا مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْعَدَ وَأَتَمَّ مَعْرِفَةً، وَإِنْ كَانَ الْكُلُّ عُدُولًا جَائِزِي الشَّهَادَةِ اهـ.

وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ أَعْلَى وَأَرْجَحُ مِنَ الْمُسْنَدِ، وَجَّهُوهُ بِأَنَّ مَنْ أَسْنَدَ، فَقَدْ أَحَالَكَ عَلَى إِسْنَادِهِ وَالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ رُوَاتِهِ وَالْبَحْثِ عَنْهُمْ، وَمَنْ أَرْسَلَ مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَإِمَامَتِهِ وَثِقَتِهِ، فَقَدْ قَطَعَ لَكَ بِصِحَّتِهِ، وَكَفَّاكَ النَّظَرَ فِيهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا قِيلَ: إِذَا لَمْ يَنْضَمَّ إِلَى الإِرْسَالِ ضَعْفٌ فِي بَعْضِ رُوَاتِهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ مُسْنَدٍ ضَعِيفٍ جَزْمًا.

[الثَّانِي] وَلَمْ يَرَ الاحْتِجَاجَ بِالْمُرْسَلِ جَمَاهِرُ النُّقَّادِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، وَحَكَمُوا بِضَعْفِهِ لِلْجَهْلِ بِالسَّاقِطِ فِي الإِسْنَادِ ; فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَابِعِيًّا لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِمْ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا ; لِعَدَمِ تَقَيُّدِهِمْ بِالثِّقَاتِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ثِقَةً يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَوَى عَنْ تَابِعِيٍّ أَيْضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ، فَهُوَ أَكْثَرُ مَا وُجِدَ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ التَّابِعِينَ عَنْ بَعْضٍ، وَاجْتِمَاعُ سِتَّةٍ فِي حَدِيثٍ يَتَعَلَّقُ بِسُورَةِ الإِخْلاصِ.

قَالَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي «مُقَدِّمَةِ الصَّحِيحِ» : وَالْمُرْسَلُ مِنَ الرِّوَايَاتِ فِي أَصْلِ قَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَأَقَرَّهُ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ.

وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ فِي «الْمَجْمُوعِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ» (1/ 60) : الْمُرْسَلُ لا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت