فهرس الكتاب
ص -150- على الصائم وإنما يحرم بالصادق إجماعا ولا نظر لمن شذ فلم يحرمه إلا بطلوع الشمس ومن ثم رد وإن نقل عن أجلاء صحابة وتابعين بأنه مخالف للإجماع وإن استدل له بقوله تعالى {فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} [الإسراء:12] الدال على أنه لا آية للنهار إلا الشمس المؤيد بآية {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ} [الحج:61- لقمان:29- فاطر:13- الحديد:6] الدالة على أنه لا فاصل بينهما؛ لأن كل ذلك سفساف ومن ثم استبعد غير واحد صحة ذلك عن أحد يعتد به"وهو"بياض شعاع الشمس عند قربها من الأفق الشرقي"المنتشر ضوءه معترضا بالأفق"أي نواحي السماء بخلاف الكاذب وهو ما يبدو مستطيلا وأعلاه أضوأ من باقيه، ثم تعقبه ظلمة.
تنبيه: في تحقيق هذا وكونه مستطيلا كلام طويل لأهل الهيئة مبني على الحدس المبني على قواعد الحكماء الباطلة شرعا من منع الخرق، والالتئام، أو التي لم يشهد بصحتها. على أنه لا يفي ببيان سبب كون أعلاه أضوأ مع أنه أبعد من أسفله من مستمده وهو الشمس ولا ببيان سبب انعدامه بالكلية حتى تعقبه ظلمة كما صرح به الأئمة وقدروها بساعة، والظاهر أن مرادهم مطلق الزمن؛ لأنها تطول تارة وتقصر أخرى وزعم بعض أهل الهيئة عدم انعدامه وإنما يتناقص حتى ينغمر في الفجر الصادق ولعله باعتبار التقدير لا الحس وفي خبر مسلم"لا يغرنكم أذان بلال"ولا هذا العارض لعمود الصبح"حتى يستطير"أي ينتشر ذلك العمود أي في نواحي الأفق وقد يؤخذ من تسمية الفجر الأول عارضا للثاني شيئان أحدهما أنه يعرض للشعاع الناشئ عند الفجر الثاني انحباس قرب ظهوره كما يشعر به التنفس في قوله تعالى {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير:18] وعند ذلك الانحباس يتنفس منه شيء من شبه كوة، والمشاهد في المنحبس إذا خرج بعضه دفعة أن يكون أوله أكثر من آخره وهذا لكون كلام الصادق قد يدل عليه ولإنبائه عن سبب طوله وإضاءة أعلاه واختلاف زمنه وانعدامه بالكلية الموافق للحس أولى مما ذكره أهل الهيئة القاصر عن كل ذلك، ثانيهما أنه صلى الله عليه وسلم أشار بالعارض إلى أن المقصود بالذات هو الصادق وأن الكاذب إنما قصد بطريق العرض ليتنبه الناس به لقرب ذلك فيتهيئوا ليدركوا فضيلة أول الوقت لاشتغالهم بالنوم الذي لولا هذه العلامة لمنعهم إدراك أول الوقت فالحاصل أنه نور يبرزه الله من ذلك الشعاع، أو يخلقه حينئذ علامة على قرب الصبح ومخالفا له في الشكل ليحصل التمييز وتتضح العلامة العارضة من المعلم عليه المقصود فتأمل ذلك فإنه غريب مهم وفي حديث عند أحمد"ليس الفجر الأبيض المستطيل في الأفق ولكن الفجر الأحمر المعترض"وفيه شاهد لما ذكرته آخرا ومما يؤيد ما أشرت إليه من الكوة ما أخرجه غير واحد عن ابن عباس أن للشمس ثلثمائة وستين كوة تطلع كل يوم من كوة فلا بدع أنها عند قربها من تلك الكوة ينحبس شعاعها، ثم يتنفس كما مر، ثم رأيت للقرافي المالكي وغيره كالأصبحي من أئمتنا فيه كلاما يوضحه ويبين صحة ما ذكرته من الكوة ويوافق استشكالي لكونه يظهر، ثم يغيب وحاصله وإن كان فيه طول لمس الحاجة إليه أنه بياض يطلع قبل الفجر الصادق، ثم يذهب عند أكثر الأبصار دون الراصد المجتهد القوي النظر وذكر ابن بشير المالكي أنه من نور
ج /1