الحمد لله الذي نشر لواء الجهاد للموحدين، وقطع بصوارم سيوفهم رقاب الكفرة والمعاندين، ووفقهم بأن باعوا نفوسهم لله تعالى ففازوا بالفوز المبين، وتحققوا بمقتضى وعده تعالى بقوله جل وعلا {وكان حقًا علينا نصر المؤمنين} [الروم:47] ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صاحب الدين المتين المنزل عليه {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14] ، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن الجهاد في سبيل الله سبيل عز هذه الأمة وتركه يعني التخلي عن هذا السبيل والرضى بسبيل الذل والمهانة فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ) [رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع (423) ] ، وقال تعالى: {إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم} [التوبة: 39] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وهذا أيضًا خطاب لكل قرن وقد أخبر فيه أنه من نكل عن الجهاد المأمور به عذبه واستبدل به من يقوم بالجهاد وهذا هو الواقع) [مجموعة الفتاوى اعتنى بها عامر الجزار وأنور الباز 9/ 459] .
وقال في موضع آخر: (قد يكون العذاب من عنده وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناس الجهاد في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوة حتى تقع بينهم الفتنة كما هو الواقع؛ فإن الناس إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبهم وألف بينهم وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض) [مجموعة الفتاوى 8/ 29] .
وبالجهاد في سبيل الله يُنصر الشرع وينتشر الدين فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله تعالى وحده لا شريك له .. ) )الحديث [رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع (2831) ] .
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وسيوف المسلمين تنصر هذا الشرع وهو الكتاب والسنة كما قال جابر بن عبد الله(أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا - يعني السيف - من خرج عن هذا - يعني المصحف -) قال تعالى: {لَقد أرسلنا رسلنا بالبيِنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} [الحديد: 25] ، فبين سبحانه وتعالى أنه أنزل الكتاب وأنزل العدل وما به يعرف العدل ليقوم الناس بالقسط وأنزل الحديد، فمن خرج عن الكتاب والميزان قوتل بالحديد) [مجموعة الفتاوى 18/ 214] .
(والجهاد دليل المحبة الكاملة قال تعالى: قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد