فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 463

وخلاصةُ الرأي أنَّ الاختلاف في الفروع لا بأسَ به ،وأن فيه توسعةً على الأمة ما دامَ صادرًا عن أهل العلمِ والاجتهادِ .

الفرقُ بين اختلاف التنوُّع واختلاف التضادِّ (1)

اعلم أن الأئمة السابقين لم يختلفوا في أصول الدين، كالإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه، لأن هذه الأمور لا مجال فيها للاختلاف، ولم يختلفوا كذلك في وجوب الفروع المعلومة من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والحج، وحرمة الزنا والسرقة، بل كانوا يكفرون من خالفهم في أحد الأمور السابقة وما يشبهها، وإنما اختلف العلماء في الفروع الاجتهادية التي لم يأت فيها نصٌّ صريحٌ قطعيُّ الثبوت والدلالةِ، وهذا أمر ٌطبيعيٌّ، لأن الاجتهاد يدعو إلى إعمال العقل، وعقولُ الناس متفاوتةٌ، فلا بد أن يتفاوت فهمهم لهذه الأدلة التي تحتمل الاختلاف، ومثال القطعي: قوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } [النساء:11] ، فلا يمكن أن نقول هنا: للذكر مثل حظ الأنثى، لأنه لا مجال لاختلاف العقول فيها، أمَّا قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ } [ البقرة:228] ، فللعلماء أن يختلفوا في معنى ( القرء) لأنه لفظٌ مشترك بين الطهر والحيض (2) ، وقال بعضهم القرء: هو الطهر، وبناءً عليه سيختلفُ حساب العدة عند الفريقين، وهذا لا مانع منه شرعًا، لأن الاختلافَ سنةٌ من سننِ الله تعالى في خلقه. وقد وقع الاختلاف بين الأنبياء، كما حكى القرآنُ عن سليمان وداود غليهما السلام (3)

(1) - انظر فتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 3849) رقم الفتوى 16829 اختلاف تنوع وفهم..لا اختلاف تضاد -تاريخ الفتوى: 26 جمادي الأولى 1423

(2) - الفقه الإسلامي وأدلته - (ج 9 / ص 595) والبحر المحيط - (ج 2 / ص 317) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 38)

(3) - في قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} (78) سورة الأنبياء

ففي سنن البيهقى بإسنادصحيح برقم ( 20862) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فِى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قَالَ كَرْمٌ وَقَدْ أَنْبَتَتْ عَنَاقِيدُهُ فَأَفْسَدَتْهُ قَالَ فَقَضَى دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ غَيْرَ هَذَا يَا نَبِىَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ تَدْفَعُ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ فَيَقُومُ عَلَيْهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا كَانَ وَتَدْفَعُ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ فَيُصِيبُ مِنْهَا حَتَّى إِذَا كَانَ الْكَرْمُ كَمَا كَانَ دَفَعْتَ الْكَرْمَ إِلَى صَاحِبِهِ وَدَفَعْتَ الْغَنَمَ إِلَى صَاحِبِهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حَكَمًا وَعِلْمًا) {ت} وَرُوِّينَا عَنْ مَسْرُوقٍ وَمُجَاهِدٍ مَعْنَى هَذَا وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ تَعَالَى الْحُكْمَ فِى هَذِهِ الْحَادِثِةِ وَأَشْبَاهِهَا إِلَى مَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى نَاقَةِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ حِينَ دَخَلَتْ حَائِطًا لِقَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَفْسَدَتْ فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِى مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِى بِاللَّيْلِ. {ش} قَالَ الشَّافِعِىُّ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِى الْحَسَنِ: لَوْلاَ هَذِهِ الآيَةُ لَرَأَيْتُ أَنَّ الْحُكَّامَ قَدْ هَلَكُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ حَمِدَ هَذَا بِصَوَابِهِ وَأَثْنَى عَلَى هَذَا بِاجْتِهَادِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت