فهرس الكتاب
أمَّا قولُ الإمام ابن حزم في رد الحديث دراية: [ لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا ] فغيرُ مسلَّم لأن كون الاختلاف رحمة لا يعني أن يكون الاتفاق سخطًا كما قال ،وهذا الكلام من ابن حزم إنما هو أخذ بمفهوم المخالفة وابن حزم لا يأخذ بمفهوم المخالفة أصلا فكيف يحتج به ، هذا أولًا (1)
(1) - مفهوم المخالفة: معناه أن الأدلة إذا قيدت حكمًا شرعيًا بصفةٍ أو قيدٍ فإننا نعلم اختصاص هذا الحكم بهذا القيد وهذه الصفة ، فيوجد بوجودها ، ونفهم أنه إذا فقد هذا القيد أو هذه الصفة أن الحكم يختلف ولا شك ، ولابد من هذا القول: لأن الشارع حكيم ولا يعلق شيئًا على شيءٍ إلا وهو يقصد هذا التعليق ، فأثبت الحكم بشرطه وقيوده وصفاته ، وانف ما عداه فهذا النفي هو مفهوم المخالفة ، أي أنك تفهم أن ما خالف ذلك الشرط وهذا القيد أنه مخالف للحكم الثابت . أي: أن حكم المسكوت عنه مخالف لحكم المنطوق به ، وهو حجة عند الجمهور وليس بحجة عند الإمام أبي حنيفة ، لكن الصواب أنه حجة والدليل على ذلك عدة أمور:
منها: أن فصحاء العرب كانوا يفهمون من تقييد الكلام بشرطٍ أو قيدٍ أو صفة ، ثبوت الحكم فيه خاصة ونفيه عما عداه ، وهذه المسألة لغوية وفهمهم حجة ، ومن باب التمثيل قد حصل ذلك لبعض الصحابة والتابعين وأئمة السلف ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( يقطع صلاة الرجل المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود ) )فقال عبد الله بن الصامت لأبي ذرٍ: ما بال الأسود من الأحمر من الأصفر من الأبيض ، فقال أبو ذر: يا ابن أخي سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما سألتني فقال: (( الكلب الأسود شيطان ) )فانظر إلى هذين الرجلين: أبي ذرٍ وعبد الله بن الصامت فإنهما فهما من تقييد الكلب بالأسود نفي الحكم عما عداه وهذا هو مفهوم المخالفة ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أبي ذرٍ سؤاله وفهمه بل أقره على فهمه وهو نفي الحكم عما عداه المذكور ، مما يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - قصد بهذا القيد نفي الحكم عن ما عداه ، وهو أفصح العرب لسانًا وأبو ذرٍ وابن الصامت من فصحاء العرب.
ومن ذلك: ما رواه أبو داود وغيره في سننه أن أبو يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ما لنا نقصر وقد أمنا والله تعالى يقول { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فقد أمن الناس ، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال (( صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ) )فهذا عمر وأبو يعلى رضي الله عنهما فهما من تقييد قصر الصلاة بالخوف نفي القصر فيما عدا ذلك ، وهما من فصحاء العرب ، بل هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على عمر هذا الفهم وأجابه بناءً على فهمه مما يدل على تقرر الفهم أيضًا عنده - صلى الله عليه وسلم - وهو أفصح العرب لسانًا ، وهذا هو مفهوم المخالفة .
ومن ذلك: أن ابن عباس رضي الله عنهما فهم من قوله تعالى { إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } فهم رضي الله عنه أن الأخت لا ترث مع البنت لأن البنت ولد ، ففهم من هذا القيد { لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } نفي الحكم عند وجوده ، وفهمه لاشك حجة لأنه من أفصح العرب لسانًا كيف وهو ترجمان القرآن ، فهذا هو مفهوم المخالفة .
ومن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال (( لما توفي عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما خيرني الله فقال { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } وسأزيد على السبعين ) )ففهم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن تقييد عدم نفع الاستغفار بالسبعين نفي الحكم عما زاد ، ففهم من القيد حكمًا ومن نفيه حكمًا وهذا هو مفهوم المخالفة وقد رَدَّ به - أعني بالمفهوم - على عمر فهو حجة إذًا عنده - صلى الله عليه وسلم - فكيف يحتج به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو لم يكن حجة وكيف لا يجيبه عمر ويقول هذا مفهوم مخالفة وليس بحجة ، مما يدل على أن الجميع يراه حجة مقبولة .
فهذا فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وفهم الصحابة وسادات السلف ، وخير طريق لفهم الشرع هو من طريق السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم .د
ومن الأدلة أيضًا: أن الشارع حكيم فصيح ، ومن الفصاحة والحكمة ألا يقحم في الكلام ما ليس فيه فائدة ترجى ، ولا حكمة تقصد ، والمطلوب اختصار الكلام دون التطويل ، والشارع ذكر هذا القيد وأقحمه في الكلام فلابد أن يكون لذكره فائدة وهذه الفائدة هي تعليق الحكم به ونفيه عما عداه ، إذ لو لم نقل بذلك لكان وجوده كعدمه وهذا هو العبث وكلام الشارع منزه عنه ، فيثبت الحكم بوجود هذا القيد وينتفي بانتفائه .
ومن الأدلة: أن إعمال الكلام أولى من إهماله باتفاق العقلاء ، وهذا واجب في كلام المخلوقين فكيف بكلام رب العالمين وكلام سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا قيد الكلام بقيدٍ فلابد من إعماله وإعماله لا يكون إلا بإثبات الحكم بوجوده - أعني بوجود القيد - ونفيه عند عدمه ، إذ لو كان الحكم ثابتًا أيضًا عند عدمه لكان وجود القيد كعدمه وهذا إهمال وإطراح له ، وقد تقرر أنه لا يجوز في كلام المخلوقين ، فلئن لا يجوز في كلام الشارع من باب أولى وأحرى .
و إذا دل الدليل على أن ما خص بالذكر ليس مختصا بالحكم لم يكن مفهوم المخالفة حينئذ حجة
قال تعالى في كتابه الكريم: {لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 7] فتخصيص وصف اللحم بكونه طريا لا يدل على أن غير الطري محرم، وذلك لأن التخصيص هنا بذكر"الطري"ليس لكونه مختصًا بالحكم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان الأسباب التي تدل على أن التخصيص بالذكر سبب غير التخصيص بالحكم كما في مجموع الفتاوى"31/138": إما عدم قصد بيان حكمه، أو كون المسكوت أولى بالحكم منه، أو كونه مساويًا له في بادئ الرأي، أو كونه سئل عن المنطوق، أو يكون قد جرى بسبب أوجب بيان المنطوق، أو كون الحاجة داعية إلى بيان المنطوق، أو كون الغالب على أفراد ذلك النوع هو المنطوق، فإذا علم أو غلب على الظن أن لا موجب للتخصيص بالذكر من هذه الأسباب ونحوها علم أنه إنما خصه بالذكر لأنه مخصوص بالحكم. انتهى.
وانظر للتوسع من أصول الفقه على منهج أهل الحديث - الرقمية - (ج 1 / ص 144-146) وانظر للتوسع كتب وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 266) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 381) ومجموع الفتاوى - (ج 6 / ص 179) ومجموع الفتاوى - (ج 15 / ص 446) ومجموع الفتاوى - (ج 31 / ص 345) وفتاوى الأزهر - (ج 6 / ص 67) وفتاوى السبكي - (ج 1 / ص 220) وفتاوى السبكي - (ج 3 / ص 387) وفتاوى الرملي - (ج 3 / ص 370) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 2 / ص 936) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 3 / ص 3826) وفتاوى الشبكة الإسلامية معدلة - (ج 10 / ص 957) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 7687) والموسوعة الفقهية1-45 كاملة - (ج 2 / ص 14298) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 1 / ص 30) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 3 / ص 267) والفقه الإسلامي وأدلته - (ج 10 / ص 315) والتشريع الجنائي في الإسلام - (ج 1 / ص 205) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 59) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 257) والأحكام للآمدي - (ج 2 / ص 328) والأحكام للآمدي - (ج 3 / ص 66-71) والمحصول - (ج 3 / ص 11) وأنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 3 / ص 91) وكشف الأسرار - (ج 4 / ص 64) والبحر المحيط - (ج 3 / ص 45) والبحر المحيط - (ج 3 / ص 327) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 80) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 81) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 236-237) والبحر المحيط - (ج 4 / ص 424-434) والتقرير والتحبير - (ج 1 / ص 394) وشرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 261) وشرح التلويح على التوضيح - (ج 1 / ص 45) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 2 / ص 279) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 2 / ص 320) وتيسير التحرير - (ج 3 / ص 226) وفواتح الرحموت - (ج 1 / ص 329) وغاية الوصول في شرح لب الأصول - (ج 1 / ص 24) والبرهان في أصول الفقه - الرقمية - (ج 1 / ص 166) والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد - الرقمية - (ج 1 / ص 135)