الصفحة 70 من 98

وأما قول من قال:"إن ذلك منسوخ"فإنما أراد أن معاهدة المشركين وموادعتهم منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ، فهو كما قال؛ لأن الله أعز الإسلام وأهله، فأمروا أن لا يقبلوا من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف لقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} فهذا حكم ثابت في مشركي العرب، فنسخ به الهدنة والصلح وأقرهم على الكفر، وأمرنا في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} فغير جائز للإمام أن يقر أحدا من أهل سائر الأديان على الكفر من غير جزية. وأما مشركو العرب فقد كانوا أسلموا في زمن الصحابة ورجع من ارتد منهم إلى الإسلام بعدما قتل من قتل منهم، فهذا وجه صحيح في نسخ معاهدة أهل الكفر على غير جزية والدخول في الذمة على أن تجري عليهم أحكامنا فكان ذلك حكما ثابتا بعدما أعز الله الإسلام وأظهر أهله على سائر المشركين، فاستغنوا بذلك عن العهد والصلح. إلا أنه إن احتيج إلى ذلك في وقت لعجز المسلمين عن مقاومتهم أو خوف منهم على أنفسهم أو ذراريهم، جاز لهم مهادنة العدو ومصالحته من غير جزية يؤدونها إليهم؛ لأن حظر المعاهدة والصلح إنما كان بسبب قوتهم على العدو واستعلائهم عليهم، وقد كانت الهدنة جائزة مباحة في أول الإسلام، إنما حظرت لحدوث هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت