الصفحة 12 من 39

12 -الدِّينُ مَبْنيٌّ عَلَى المَصَالحِ ... في جَلْبِهَا والدَّرْءِ لِلْقَبَائِح

12 -هذَا الأَصْلُ العظيمُ والقاعدةُ العامَّةُ يدخُلُ فيهَا الدِّينُ كلُّهُ، فكلُّهُ مَبْنيٌّ على تحصيلِ المصالحِ في الدِّينِ والدُّنْيَا والآخرةِ، وعلى دفْعِ المضارِّ في الدِّينِ والدُّنْيَا والآخرةِ، ما أَمرَ اللهُ بشيْءٍ إلاَّ وفيهِ منَ المصالحِ مالا يُحيطُ بهِ الوَصْفُ، ومَا نَهى عنْ شيْءٍ إلاَّ وفيهِ منَ المفاسِدِ ما لا يُحيطُ بهِ الوصْفُ.

ومنْ أَعظمِ مَا أمرَ اللهُ بهِ التَّوحيدُ، الذِي هُوَ: إفرادُ اللهِ بالعبادةِ، وهوَ مشتمِلٌ على صلاحِ القلوبِ وسعتِهَا ونورِهَا، وانشراحِهَا وزوالِ أَدْرانِهَا، وفيهِ مصالحُ البدنِ والدُّنْيا والآخرةِ.

وأَعظمُ ما نهى اللهُ عنْهُ: الشِّرْكُ في عبادتِهِ، الَّذي هوَ فسادٌ وحسرةٌ في القلوبِ والأَبدانِ، والدُّنْيَا والآخرةِ.

فكلُّ خيْرٍ في الدُّنْيَا والآخرةِ، فهوَ منْ ثمراتِ التَّوحيدِ وكلُّ شرٍّ في الدُّنْيَا والآخرةِ فهوَ منْ ثمراتِ الشِّرْكِ.

وممَّا أَمرَ اللهُ بهِ: الصَّلاةُ، والزَّكاةُ، والصِّيامُ، والحجُّ: الَّذي منْ فوائِدِ هذَا انشراحُ الصَّدرِ ونورُهُ، وزوالُ همومِهِ وغمومِهِ، ونشاطُ البدنِ وخفَّتُهُ، ونورُ الوجهِ وسعةُ الرِّزْقِ، والمحبَّةُ في قُلوبِ المؤْمنينَ، وفي الزَّكاةِ والصَّدقةِ، ووجوهِ الإحسانِ: زكاةُ النَّفسِ وتطهيرِهَا، وزوالُ الوسخِ والدَّرنِ عنْهَا، ودفعُ حاجةِ أخيهِ المسلمِ، وزيادةُ بركةِ مالِهِ ونماؤه، معَ مَا في هذِهِ الأَعمالِ منْ عظيمِ ثوابِ اللهِ الَّذي لا يمكنُ وصْفُهُ، ومنْ حصولِ رضَاهُ الَّذي هوَ أكبرُ مِنْ كلِّ شيْءٍ، وزوالِ سخطِهِ.

وكذلكَ شَرَعَ لعبادِهِ الاجتماعَ للعبادةِ في مواضعَ، كالصَّلواتِ الخَمْسِ، والجمعةِ والأعيادِ، ومشاعرِ الحجِّ، والاجتماعِ لذكرِ اللهِ، والعلمِ النَّافعِ، لمَا في الاجتماعِ منَ الاخْتلاطِ الَّذي يُوجِبُ التوادُدَ والتَّواصُلَ، وزوالَ التَّقاطُعِ والأَحقادِ بينهُمْ، ومراغمةَ الشَّيْطَانِ الَّذي يكرهُ اجتماعَهُمْ على الخيْرِ، وحصولُ التَّنافُسِ في الخَيْرَاتِ، واقتداءَ بعضِهِمْ ببعضٍ، وتعليمَ بعضِهِمْ بَعْضًا، وتعلُّمَ بعضِهِمْ منْ بَعْضٍ، وكذلكَ حصولُ الأَجرِ الكثيرِ الَّذي لا يحصلَ بالانفرادِ، إلى غيرِ ذلكَ مِنَ الحِكَمِ.

وأباحَ سبحانَهُ البيعَ والعقودَ المباحةَ، لمَا فيهَا منَ العدْلِ، ولحاجةِ النَّاسِ إليْهَا.

وحرَّمَ الرِّبى وسائرَ العقودِ الفاسدةِ، لمَا فيهَا من الظُّلْمِ والفسادِ، ولاغْتِنَاءِ النَّاسِ عنْهَا، وأَباحَ الطَّيِّبَاتِ منَ المآكِلِ والمشارِبِ، والملابِسِ والمناكِحِ لمَا فيهَا منْ مصالحِ الخَلْقِ، ولحاجةِ النَّاسِ إليْهَا، ولعدَمِ المفسدةِ فيهَا.

وحرَّمَ الخبائِثَ منَ المآكِلِ والمشارِبِ والملابِسِ والمناكِحِ، لمَا فيهَا منَ الخبثِ والمضرَّةِ عاجلًا وآجلًا فتحريمُهَا حمايةٌ لعبادِهِ، وصيانةٌ لَهُمْ، لاَ بخْلًا عليْهِمْ، بلْ رحمةً منْهُ بهمْ، فكمَا أَنَّ عطاءَهُ رحمةً، فمنْعُهُ رحمةً، مثالُ ذلكَ أنَّ إنزالَ المطرِ بقدرِ ما يحتاجُ إليهِ العبادُ رحمةً منهُ تعالى، فإذَا زادَ بحيثُ تضرُّ زيادتُهُ كانَ منْعُهُ رحمةً.

وبالجملةِ، فإنَّ أوامرَ الرَّبِّ قوتُ القلوبِ وغذاؤُهَا، ونواهِيَهُ داءُ القلوبِ وكُلومِهَا.

وكذلكَ المواريثُ، والأَوقافُ، والوصايَا، ومَا في معنَاهَا، اشتملتْ كلُّهَا على غايةِ المصلحةِ والمحاسنِ، ولا يمكنُ ضبطُ الحِكمِ والمصالحِ في بابٍ واحدٍ منْ أَبوابِ العلمِ، فضْلًا عنْ جميعِهِ.

قالَ ابنُ القَيِّمِ رحمَهُ اللهُ تعالى وإذَا تأَمَّلْتَ الحِكْمَةَ الباهرةَ في هذَا الدِّينِ القويمِ، والملَّةِ الحنيفيَّةِ، والشَّريعةِ المحمَّديَّةِ التي لا تنالُ العبارةُ كمالَهَا، ولاَ يدرِكُ الوصفُ حسنَهَا، ولاَ تَقْتَرِحُ عقولُ العقلاءِ - لوِ اجتمعتْ وكانتْ على أَكملِ عقلِ رجلٍ واحدٍ منهمْ - فَوْقَهَا، فإنَّ العقولَ الكاملةَ الفاضلةَ إنْ أَدركتْ حسنَهَا، وشهدتْ لَهَا، وأَنَّهُ ما طَرَقَ العالَمَ شريعةٌ أَكملُ منْهَا ولاَ أَعظمُ ولا أَجلُّ، ففيهَا الشَّاهِدُ والمشهودُ لهُ، والحُجَّةُ والمحتجُّ لهُ، والدَّليلُ والبرهانُ، ولوْ لمْ يأتِ الرَّسولُ ببرهانٍ عليْهَا لكفَى بهَا برهانًا وشاهدًا على أنَّها منْ عندِ اللهِ تعالى، وكلُّهَا شاهدةٌ للهِ بكمالِ العلمِ، وكمالِ الحكمةِ، وسعةِ الرَّحمةِ، والبِرِّ، والإحسانِ والإحاطةِ بالغيبِ والشَّهادةِ، والعلمِ بالمبادئِ والعواقبِ، وأنَّهَا منْ أعظمِ نعمِ اللهِ الَّتي أنعمَ بهَا على عبادِهِ. فمَا أَنعمَ على عبادِهِ نعمةً أَجلَّ مِنْ أَنْ هَداهُمْ لَهَا, وجعلهُمْ منْ أهلِهَا، وممَّنِ ارْتضاهُمْ لَهَا وارتضاهَا لَهُمْ، كمَا قالَ تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبينٍ] ثُمَّ أطالَ الكلامَ رَحِمَهُ اللهُ تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت